سيرة عمر الفارق
   عدد المشاهدات : 4946

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين.

معاشر المؤمنين، إن حديث اليوم عن رجل تَفْرَق منه شياطين الإنس والجن، ما رآه الشيطان سالكا فجًّا إلا سلك فجًّا غيره، سقطت على يديه مملكة الفرس والروم، ومازال الإسلام عزيزا منذ أسلم، إنه صاحب رسول الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.

هو عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي، أبو حفص العدوي، الملقب بالفاروق، ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة، كان رضي الله عنه طويل القامة ضخم الجسم، قد انحسر شعره عن جانبي رأسه، وكان سفير قريش في جاهلية، فلما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بادر إلى الإيمان أبوبكر وجماعة من السابقين الأبرار، وكان عمر آنذاك شديدًا على المسلمين، ثم أسلم رضي الله عنه في السنة السادسة من البعثة، قال الحافظ ابن حجر: "فكان إسلامه فتحًا على المسلمين، وفرجًا لهم من الضيق، قال عبدالله بن مسعود: "ما عُبد الله جهرة حتى أسلم عمر".

وقد عُرف رضي الله عنه في الجاهلية بالفصاحة والشجاعة، وعُرف في الإسلام بالقوة والهيبة، والزهد والتقشف، والعدل والرحمة، والعلم والفقه، وكان مسدد القول والفعل، وافقه القرآن في أمور عدة، منها اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، وحجاب أمهات المؤمنين، ونصحه لأمهات المؤمنين قبل نزول آية التخيير، وقد بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وبشره بالشهادة، وبما سيقوم على يديه من الخير، وبين أنه إن كان في هذه الأمة مُحَدَّث –بمعنى: ملهم- فهو عمر بن الخطاب، وأمر صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بأبي بكر وعمر فقال: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر).

كان عمر مقربًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستشيره في المهمات كما في قصة أسارى بدر وغيرها، وكان أبوبكر من بعده يستشيره أيضا، فهو الذي أشار عليه بجمع القرآن، وقد عمد إليه بالخلافة بعد مشاورة كبار الصحابة ورضاهم به، ولُقب من بعده أمير المؤمنين.

لقد أظهر عمر في خلافته حسن السياسة والحزم والتدبير، والحرص على مصالح الرعية، وإقامة العدل في البلاد، ومحاسبة الولاة وسْط مبدأ: من أين لك هذا؟ ومنعهم من أذى الرعية، وابتدأ التاريخ الهجري، وكان القراءُ أصحابَ مجلس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا، وكان رضي الله عنه لا يستحل الأخذ من بيت مال المسلمين، إلا حلة للشتاء وأخرى للصيف، وناقة لركوبه، وقوته كقوت رجل من أوساط المهاجرين.

وفي خلافته نصر الله أهل الإسلام على الفرس والروم، وعظمت الفتوحات، قال الحافظ ابن كثير: "وهو أول من دعي أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ وجمع الناس على التراويح، وأول من عسَّ بالمدينة وحمل الدِّرَّة وأدب بها، وفتح الفتوح، ومصَّر الأمصار، وجنَّد الأجناد، ووضع الخراج، ودوَّن الدواوين، واستقضى القضاة، وقطعت جيوشه النهر مرارًا" فرضي الله عنه وأرضاه.

إن النفوس لتشتاق لمعرفة سيرة هذا الرجل وفضائله، هذا الرجل الذي أجرى الله على يديه تلك الفتوحات والخيرات والبركات.

إن أهل السنة يرون أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم أبوبكر ثم عمر، لا ريب في ذلك عندهم ولا شك، يقول ابن عمر رضي الله عنهما: "كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان" خرجه البخاري. وبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: (بينا أنا نائم رأيتُني في الجنة، بين امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ قيل: لعمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكرت غيرتك فوليت مدبرًا، فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله).

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين فضل عمر في الدين والعلم، فعند البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينا أنا نائم شربت –يعني: اللبن- حتى أنظر إلى الرِّي يخرج من ظُفُرِي أو في أظفاري، ثم ناولت عمر، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ فقال: العلم). وروى أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحَدثون، فإن يكُ في أمتي أحد فإنه عمر)، قال ابن وهب: "محدثون أي: ملهمون"، ونقل النووي عن البخاري قوله: "يجري الصواب على ألسنتهم"، وهكذا كان الفاروق عمر رضي الله عنه، فقد حدث ابنه عبدالله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه) خرجه الترمذي. وقال ابن عمر: "ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر، إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر" خرجه أحمد وصححه ابن حبان. وقال طارق بن شهاب: "كنا نتحدث أن عمر بن الخطاب ينطق على لسانه ملك" رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة بسند صحيح.

كان عمر رضي الله عنه قويًّا في الحق، شديدًا على المنافقين، فههو يحدث عن نفسه فيقول: (لما مات عبدالله بن أبي –وهو رأس المنافقين- دُعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم وثبت إليه فقلت: يا رسول الله، أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟ يعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أخِّر عني يا عمر، فلما أكثرت عليه قال صلى الله عليه وسلم: إني خُيرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين غُفر له لزدت عليها، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرا، حتى نزلت الآيتان من براءة: ((ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره))، قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، والله ورسوله أعلم) خرجه البخاري.

وفي يوم بدر أظهر عمر رضي الله عنه أن ليس في قلبه مودة للكافرين ولا محبة، وأن الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فعند مسلم أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما أسروا الأسارى –يعني: في غزوة بدر- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبوبكر رضي الله عنه: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: ما ترى يا ابن الخطاب؟ فقال رضي الله عنه: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبوبكر، ولكني أرى أن تمكنَّا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًّا من عقيل أخيه فيضرب عنقه، وتمكني من فلان –قريب لعمر- فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها –وفي رواية أحمد: حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين).

كان عمر رضي الله عنه رجلاً مهيبًا تخافه شياطين الإنس والجن، ففي البخاري: (أن عمر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه عاليةٌ أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر، قمن فبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عجبت من هؤلاء اللائي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، قال عمر: فأنت أحق أن يَهبن يا رسول الله، ثم قال: يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله؟ فقلن: نعم، أنت أفظُّ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إيهًا يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا قط إلا سلك فجًّا غير فجك). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأنظر إلى شياطين الإنس والجن قد فروا من عمر) رواه الترمذي. وعند أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشيطان ليفْرَق منك يا عمر) فرضي الله عنه وأرضاه.

لقد استجاب الله دعاء رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فأعز الإسلام بعمر، فعند الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب، قال: وكان أحبهما إليه عمر). قال ابن مسعود رضي الله عنه: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) رواه البخاري.

وكان الصحابة رضي الله عنهم يحبون عمر بن الخطاب، ويتقربون إلى الله بحبه، فعند البخاري أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: متى الساعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما أعددت لها؟ فقال الرجل: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت، قال أنس رضي الله عنه: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت، قال: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم). وقد روى أحمد في الفضائل بسند حسن عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "لقد أحببت عمر حبا حتى لقد خفت الله، ولو وددت أني كنت خادما لعمر حتى أموت، ولقد وجد فقده كل شيء حتى العضاة –يعني: الشجر- إن إسلامه كان فتحا، وإن هجرته كانت نصرا، وإن سلطانه كان رحمة".

كان عمر رضي الله عنه من الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، لا يشغله عن ذلك شيء، فقد روى أحمد بسند حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "رحم الله عمر، إنه لما طعن تلك الطعنة، رأى غلامًا قد أسبل إزاره فقال: يا غلام، خذ من شعرك وارفع إزارك، فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك عز وجل".

حسبك برجل زكاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعند أحمد في الفضائل أن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: (هذا عمر بن الخطاب، هذا رجل لا يحب الباطل).

من كراماته رضي الله عنه: ما حدث به ابنه عبدالله قال: "بعث عمر رضي الله عنه جيشًا، وأمَّر عليهم رجلاً يدعى سارية، قال: فبينا عمر يخطب الناس يومًا، قال: فجعل يصيح وهو على المنبر: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، قال: فقدم رسول الجيش، فسأله فقال: يا أمير المؤمنين، لقد لقينا عدونا فهزمونا، وإذا بصائح ليصيح: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، فشددنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله عز وجل" رواه أحمد وحسنه الحافظ ابن حجر.

كان عمر رضي الله عنه يرحم أهل الإسلام ويواسي الضعفاء، بل لقد قال: "لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا" خرجه البخاري. وعند الإمام أحمد في الفضائل بسند حسن عن أسلم قال: "خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى حرة واقم، حتى إذا كنا بموضع كذا إذا نار، فقال: يا أسلم إني لأرى ههنا ركبًا حبسهم الليل والبرد، انطلق بنا، قال: فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا بامرأة معها صبيان صغار، وقدر منصوبة على نار، وصبيانها يبكون؛ فسلم عليها عمر وقال: ما بالكم؟ فقالت: حبسنا الليل والبرد، قال: فما بال الصبية يبكون؟ قالت: الجوع، قال رضي الله عنه: فأي شيء في هذه القدر المنصوبة؟ فقالت: لا شيء، إلا أني أسكتهم بها حتى يناموا، واللهُ جل جلاله بيننا وبين عمر، فقال رضي الله عنه: أيْ رحمك الله، وما يدري عمرَ بكم؟ فقالت: يتولى عمر أمرنا ثم يغفل عنا! قال أسلم: فانطلق عمر رضي الله عنه حتى أتى الدار التي بها الدقيق والتمر والزبيب، فأخرج ما شاء الله ثم قال يا أسلم: احمله علي، فقلت: أنا أحمله عنك يا أمير المؤمنين، قال: أنت تحمل عني وزري يوم القيامة؟ قال: فحملته عليه فانطلق وانطلقت معه إلى تلك المرأة نهرول، فألقى ذلك عندها وأصلح نارهم، وأعانهم على إصلاح الطعام، ثم جعل يقول للمرأة: أطعميهم، فلم يزل حتى شبعوا، وما انصرف حتى نام الصبيان وهدؤوا". رُوي أن عليا رضي الله عنه رأى عمر وهو يعدو إلى ظاهر المدينة، فقال: إلى أين يا أمير المؤمنين؟ فقال: قد ندَّ بعيرٌ من إبل الصدقة، فأنا أطلبه، فقال علي: لقد أتعبت الخلفاء من بعدك".

قال الحافظ ابن كثير: "كان عمر متواضعًا لله، خشن العيش خشن المطعم، شديدًا في ذات الله، يُرقع الثوب بالأديم، ويحمل القِربة على كتفيه، ومع عظم هيبته كان يركب الحمار عُرْيًا والبعير مخطومًا بالليف، وكان قليل الضحك، وكان نقش خاتمه: كفى بالموت واعظًا يا عمر، وقيل لعمر: إنك فضٌّ، فقال: الحمد لله الذي ملأ قلبي لهم رحمة وملأ قلوبهم لي رعبًا، اللهم زدهم". وخطب عمر رضي الله عنه على المنبر وعليه إزار في اثنتا عشرة رقعة، وقيل: إنه حمل قربة على عاتقه فسئل عن ذلك فقال: "إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها". وكان في عام الرمادة لا يأكل إلا الخبز والزيت، حتى اسود جلده، ويقول: "بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع". وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء. قال طلحة بن عبيدالله: "خرج عمر ليلة في سواد الليل فدخل بيتًا، فلما أصبحت ذهبت إلى ذلك البيت، فإذا عجوز عمياء مقعدة فقلت لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ فقالت: إنه يتعاهدني مدة كذا وكذا، ويأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى، قال طلحة: فقلت لنفسي: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثراتِ عمر تتبع". بعث سعد بن أبي وقاص أيام القادسية وعندما بعث سعد بن أبي وقاص أيام القادسية إلى عمر بسيف كسرى وتاجه وحليه، فلما نظر إليها قال: "اللهم إنك منعت هذا رسولك ونبيك وكان أحب إليك مني وأكرم عليك مني، ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك مني وأكرم عليك مني، ثم أعطيتنيه، فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي، ثم بكى حتى رحمه من عنده، فقال: "إن قومًا أدوا هذا لأمناء، فقال له عليّ: إن القوم رأوك عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا".

وأما قصة مقتله رضي الله عنه ففيها عبر، رواها البخاري في صحيحه، قال عمرو بن ميمون: "رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يُصاب بأيام بالمدينة، ووقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال: لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي، قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبدالله بن عباس غداة أصيب، وكان إذ مرَّ بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهن خللاً تقدم فكبر، وربما قرأ بسورة يوسف أو النحل، أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني -أو أكلني- الكلب حين طعنه، فطار العِلج -أبو لؤلؤة المجوسي- بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يمينًا ولا شمالاً إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين، طرح عليه بُرْنُسا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبدالرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد، فإنهم لا يدرون، غير أنهم فقدوا صوت أمير المؤمنين عمر وهم يقولون: سبحان الله سبحان الله، فصلى بهم عبدالرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال عمر: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعة ثم جاء فقال: أبو لؤلؤة غلامُ المغيرة، فقال الصنع؟ قال: نعم، قال عمر: قاتله الله، لقد أمرت به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام، قال: فاحتُمل إلى بيته فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأُتي بلبن فشربه، فخرج من جوفه فعرفوا أنه ميت، فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقَدَم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال عمر: وددت أن ذلك كفاف لا عليَّ ولا لي، فلما أدبر الشاب إذا إزاره يمس الأرض، قال عمر: ردوا علي الغلام، فقال له: ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك، ثم قال رضي الله عنه: يا عبدالله بن عمر، انظر ماذا عليَّ من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا أو نحوه، فأمر بقضائه ثم قال: انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه –يعني: في حجرة عائشة- فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يُدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبدالله بن عمر قد جاء، فقال عمر: ارفعوني، فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك؟ فقال عبدالله: الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت، فقال: الحمد لله، ما كان شيء أهم إلي من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سَلم على عائشة فقل: يستأذن عمر، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني فردني إلى مقابر المسلمين، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين استخلف، قال: ما أجد أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم، فسمى عليًّا وعثمان والزبير، وطلحة وسعدًا وعبدالرحمن بن عوف، وقال: يشهدكم عبدالله بن عمر، وليس له من الأمر شيء -كهيئة التعزية له- وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا، الذين تبوئوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا فإنهم رِدْء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو، وأوصيه بالأعراب خيرًا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، وأصيه بذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يُقاتَل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم، فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي، فسلم عبدالله بن عمر على عائشة وقال: يستأذن عمر بن الخطاب، فقالت: أدخلوه فأُدخل، فوُضع هنالك مع صاحبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر".

فرضي الله عن عمر بن الخطاب وأرضاه، اللهم ارض عن أصحاب نبيك أجمعين، ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)).

معاشر المؤمنين، يقول الله جل جلاله: ((قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ))، نعم، إبراهيم والذين يُتأسى بهم ويُقتدى، وكذا محمد صلى الله عليه وسلم والذين معه، إنهم أصحابه الأخيار الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ونصروا دين الله ما استطاعوا، ولم يثنهم عن ذلك كيد العرب والعجم، ولا عددهم أو عدتهم، بل مضوا في طريق الجهاد والنصرة حتى مكَّن الله للدين، وسقطت دولة الفرس والروم، وظهر الحق وزهق الباطل، في مواقف عظيمة وسير وأخبار عجيبة، إنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خير القرون، الذين قال الله فيهم: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ)).

السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم، وسار على منهاجهم، أحق أن يقتدى بهم، ومن هؤلاء الأبرار الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة، والإمام البخاري صاحب الصحيح، وتلميذه الإمام مسلم، وسفيان الثوري وابن خزيمة، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم، والذهبي وابن كثير وابن رجب، والإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب، والدعاة إلى التوحيد من ذريته وتلامذيه ومن سار على درب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في طريق الدعوة إلى التوحيد، ومحاربة الشرك والبدعة إلى يومنا، كالإمام العلامة عبد العزيز بن باز والعلامة ناصر الدين الألباني والعلامة ابن عثيمين، وغيرهم كثير ولله الحمد، هؤلاء أحق أن يقتدى بهم ويتأسى.

فيا معاشر العقلاء، هل يحق لأحد أن يُعرض عن سير هؤلاء الأئمة، الذين هم على طريقة السلف الصالح، ليعلق شبابنا بمن لا يقتدى به، كالمغنين والممثلين، واللاعبين والشعراء الماجنين، الذين يدشن لهم مريدوهم، فيجعلون الباطل حقا والحق باطلا، فذاك عندهم مجاهد في سبيل إحياء الفن العربي، وهذا شهيد الفن، فاللهم اهدهم يا أرحم الراحمين، وخذ بنواصيهم إلى البر والتقوى، واكفناهم بما تشاء إنك أنت السميع العليم.

وهل يحق لأحد أن يعرض عن سير أئمة التوحيد؟ كالأئمة المتقدمين، ومن اقتفى أثرهم، ليعلق الأمة برموز بعض المناهج الدعوية المحدثة الوافدة، والتي هي مزيج غريب، بعيد عن منهج السلف أهل السنة والجماعة، ومن ثمراتهم تعرفونهم. فتارة ينفون صفات الله أو أكثرها على طريقة المبتدعة. وتارة يسبون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتارة ينادون بتشويه السلفية، ومعناه: إدخال الدروشات والخرافيات إلى بلاد طهرها الله بدعوة التوحيد، وقد صرح بهذا مفتيهم في القنوات الفضائية. وتارة يقعون في أئمة أهل السنة في هذا الزمان وعلمائهم، فيصفونهم بالتزلف وطلب الدنيا، وهذا كذب وافتراء ما اختلقه إلا المبتدعة، الذين محق الله باطلهم ورد كيدهم بأولئك العلماء الربانيين. وتارة يهونون من أمر الشرك ودعاء الصالحين وطلب المدد منهم.

كان سلفنا الصالح يعظمون أمر العقيدة عند الناس، وكانوا يحذرون صبيانهم ممن خالف نهج السلف وأحدث، وكانوا يقولون لهم: "إذا رأيتم الجهم بن صفوان أو الجعد بن درهم، فلا تجالسوهم ولا تصغوا إليهم واحذروهم فإنهم مبتدعة". وأئمتنا اليوم يقولون: "احذروا البدع وأهلها ومنهاهجهم وطرائقهم وكتبهم، لأنهم يدسون السم بالعسل، ويلبسون ويخادعون، فكم من بدعة ألبسوها ثوب الدعوة وإنكار المنكر والغيرة على الدين، وكم يسعون لفصل الأمة عن سلفها الصالح، من الصحابة والتابعين وأئمة التوحيد، ليصرفوهم إلى طرقهم المبتدعة، فاحذروا أن تخدعوا بارك الله فيكم، ويكفينا علماء السنة، الذين شهدت لهم الأمة بالإمامة وحسن المعقتد، "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".


ما رأيكم في الموقع ؟