أحكام البيوع
   عدد المشاهدات : 8510

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد  أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)) ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)). أما بعد :

فيقول الله سبحانه وتعالى: ((وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) إن حياة الناس لا تصلح بغير نظام يحكمهم، ويبين ما لهم وما عليهم، ويمنعهم من الظلم والعدوان، وفي غير هذا النظام تقع الفوضى والتظالم، ويصبح كل يعمل بما يهواه دون اعتبار لغيره، ويغلب جانب مصلحته على مصالح الآخرين.

ولقد جاءت هذه الشريعة العظيمة والناس في حالة من الفوضى في معاملاتهم، وعلى عادات وأعراف مختلفة، تنتشر بينهم المعاملات المشتملة على الغش والظلم، والجهالة والغرر والقمار، فجاءت هذه الشريعة بنظام كامل، ومنهج محكم، ينظم معاملات الناس فيما بينهم، متميز بخصائص فريدة منها: أن أحكام المعاملات في الإسلام هي أحكام من خالق البشر العالم بما يصلحهم أو يضر بهم، فلم يممنع إلا ما فيه ضرر في العاجل أو الآجل، ولم يشرع إلا ما فيه صلاحهم عاجلا أو آجلا.

ومنها: أنها مبينة على العدل الكامل، فلا ميل فيها لأحد على حساب أخر، ولا لفئة على حساب أخرى، وليس فيها ميل لأحد المتبايعين على حساب الآخر.

ومن خصائص نظام المعاملات في الإسلام: أنه مبني على مراعاة الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، والتنفير من ضدهما، والصدق والنصح من أعظم دعائم المعاملات الشرعية، والكذب والغش من أكبر ما ينفر منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا).

ومنها: أن البيع والشراء وسائر المعاملات في الإسلام مرتبطة بالعقيدة، فيؤمن أهل الإسلام أن الحكم في هذه الأمور لله وحده، فيرضون بما شرعه لهم ويتركون ما حرمه عن رضا وتسليم.

ومن خصائصها: أن تطبيق أحكام المعاملات الشرعية مرتبط بمراقبة الله وخشيته، فيخاف البائع والمشتري والمستأجر والأجير، كلهم يخافون من ربهم الذي يعلم السر وأخفى، وإذا ضعف الخوف من الله فلن تجزي رقابة البشر.

ومنها: أن المعاملات التجارية في الإسلام ينظر فيها إلى المقاصد لا إلى صورة المعاملة، ومن القواعد الفقهية "أن الأمور بمقاصدها" فبيع العنب مباح في الأصل، لكن إذا كان المشتري يستعمله في صنع الخمر حرم البيع عليه.

ومن رحمة الله بعباده أن جعل الأصل في المعاملات الإباحة، فلا يحرم منها شيء إلا بدليل شرعي، لقول ربنا جل جلاله: ((وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها).

معاشر المؤمنين: هناك جملة من الآداب التي ينبغي للتاجر مراعاتها.

فمنها: أن يتعلم أحكام البيع والشراء حتى لا يقع في الحرام، قال عمر رضي الله عنه: "لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين".

ومنها: أن عليه أن يجتنب الغش بجميع صوره، فإن الغش كبيرة من كبائر الذنوب، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من غش فليس مني) خرجه الإمام مسلم في الصحيح.

ومنها: أن على التاجر أن يتجنب كثرة الحلف ولو كان صادقا، لأنه قد يجر إلى الحلف كذبا، ولأن اليمين بالله تنزه عن مثل هذه المواطن، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق ثم يمحق) خرجه الإمام مسلم.

وعلى التاجر أن لا يتشاغل عن أمر التجارة عن أمور دينه من صلاة وبر وصلة رحم وذكر لله تعالى، كما لا يجوز له أن يترك حق الله في تجارته وهو الزكاة الواجبة، وعلى التاجر أن يحسن النية في تجارته، فينوي بها إعفاف نفسه عن السؤال، وإغناءها عما في أيدي الناس، والإنفاق على عياله ومن يمونهم، ونفع الناس وقضاء حاجاتهم والتيسير عليهم.

وعلى التاجر أن يقصد الكسب الحلال، ويجتنب الكسب الحرام وكل ما فيه شبهة.

وعليه أن يحسن التعامل مع الخلق، فرحم الله عبدا سمحا إذا باع وإذا اشترى.

وعليه أن ينصح لمن يشتري منه، فلا يغش المؤمنين ولا يكذب عليهم في ثمن السلعة أو أوصافها، فينصح لهم إذا سألوه عن نوع السلعة وجودتها، وهل يوجد في السوق خير منها، ويحرم أن يوهمهم أن ما عنده هو الأجود والواقع بخلاف ذلك.

معاشر المؤمنين، لقد عرّف العلماء البيع: بأنه مبادلة مال بمال لغرض التملك، وقالوا: إن عقد البيع له أركان ثلاثة وهي:

أولا: العاقدان، وهما البائع والمشتري.

ثانيا: المعقود عليه وهو الثمن والمثمن.

ثالثا: صيغة العقد وهي ما ينعقد به البيع، فينعقد بكل قول أو فعل يدل على إرادة البيع والشراء، وللبيع صيغتان: صيغة قولية وتسمى بالإيجاب والقبول، فالإيجاب مثل أن يقول البائع: بعتك هذا الثوب بكذا، والقبول مثل أن يقول المشتري: اشتريت أو قبلت. وصيغة فعلية وتسمى المعاطاة مثل أن تدفع إلى الخباز ريالا فيأخذه ويدفع إليك خبزا فتأخذه وتنصرف دون تلفظ منكما أو من أحدكما.

ثم اعلم بارك الله فيك ورزقك العلم النافع والعمل الصالح أن البيع لا يكون صحيحا حتى تتوفر فيه شروط سبعة، متى ما تخلف منها شرط فإن البيع باطل، وهذه الشروط هي:

أولا: التراضي من المتبايعين، فلو أكره شخص على بيع سلعته لم يصح العقد، لقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ)) ولقول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: (إنما البيع عن تراض) خرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان، ويستثنى من ذلك أن يكون الإكراه بحق ومثاله: رجل عليه ديون للناس، فأكرهه القاضي على بيع بعض ما يملك ليسدد للناس ديونهم، فهذا البيع صحيح مع الإكراه لأنه إكراه بحق.

الشرط الثاني: أن يكون كل واحد من المتبايعين ممن يجوز تصرفه في المال، والذي يجوز تصرفه في المال هو البالغ العاقل الرشيد، فلا يصح البيع والشراء من صغير أو مجنون أو سفيه، يدل على ذلك قوله تعالى: ((وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً)) وقوله تعالى: ((وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)) ويستثنى من ذلك تصرف الصغير أو السفيه بإذن الولي، وتصرفه في الشيء اليسير كشراء حلوى ونحوها.

الشرط الثالث من شروط البيع: أن يكون المبيع مما يباح الانتفاع به، فلا يجوز بيع ما يحرم الانتفاع به، كالخمر والدخان، وآلات الطرب وأشرطة الغناء والفيديو المحرمة، ومثلها الكتب والأشرطة التي تسبب الفتنة بين المسلمين، وتحرض على سفك الدم الحرام والخروج على ولاة الأمر، وتزهد في لزوم المنهج السلفي، وتروج للجماعات الحزبية الوافدة لا حياها الله ولا بياها، ودليل هذا الشرط قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه) رواه أبو داود وصححه العلامة ابن القيم.

الشرط الرابع: أن يتولى البيع والشراء صاحب المال أو من يقوم مقامه، مثل وكيله أو ولي الطفل والمجنون ونحوهما، فلو باع شخص ما لا يملكه ولم يؤذن له في بيعه فإن البيع لا يصح إلا إن أجازه المالك، ويسمى هذا عند الفقهاء ببيع الفضولي، ودليل هذا الشرط قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تبع ما ليس عندك) رواه الترمذي وأبو داود.

الشرط الخامس: أن يكون المبيع مقدورا على تسليمه، فلا يصح بيع ما لا يُقدر على تسليمه، كسيارة مفقودة أو جمل شارد ونحو ذلك، ودليله حديث أبي هريرة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر) رواه مسلم.

الشرط السادس: أن يكون المبيع معلوما عند البائع والمشتري، فلا يصح بيع الشيء المجهول كأن يقول: بعتك ما في هذا الكيس، والمشتري لا يدري ما فيه، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وتزول جهالة المبيع إما برؤيته كله أو برؤية جزء منه يدل على باقيه، أو وصفه وصفا يقوم مقام الرؤية، أو بنحو ذلك مما يزيل الجهالة.

الشرط السابع: أن يكون ثمن السلعة معلوما، فلا يصح بيع شيء قبل تحديد ثمنه، كأن يقول المشتري: اشتريت منك هذه السيارة بما في هذا الشيء، والبائع لا يدري ماذا فيه، أو أن يقول: اشتريت منك بضاعتك هذه بما في جيبي، والبائع لا يدري ما في جيبه، فهذا البيع لا يصح لأنه من الغرر الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فاللهم إنا نسألك العلم النافع والعمل الصالح يا أرحم الراحمين.


ما رأيكم في الموقع ؟