أحكام الجنائز (1) ـ
   عدد المشاهدات : 6878

أحكام الجنائز (1): (أحكام الدفن والمقابر)

أما بعد : فيقول الله سبحانه وتعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) . إن اتباع الجنائز حق على المسلم لأخيه المسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم: (حق المسلم على المسلم ست، قيل ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) متفق عليه.

واتباع الجنائز فيه فضل وأجر عظيم لقوله صلى الله عليه وسلم: (من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معه حتى يُصلى عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد)، وفي لفظ: (فقيل وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين)، وفي لفظ لمسلم: (أصغرهما مثل أحد). وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن اتبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة).

ولا تُتَّبع الجنازة بصوت ولا نار ولا بما يخالف شرع الله، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتبع الجنازة معها رانة" والرانة: الصائحة، خرجه ابن ماجه. وأوصى عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال: "إذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار"، وفي لفظ: "أنه نهى أن يتبعه مادح أو نار" رواه أحمد ومسلم. قال قيس بن عباد: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند الجنائز" خرجه البيهقي ووثق رجال سنده الألباني.

ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم القيام للجنازة إذا مرت، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا رأى أحدكم جنازة، فإن لم يكن ماشيا معها فليقم حتى يخلفها أو تخلفه، أو توضع من قَبْل أن تخلفه) متفق عليه. وعن جابر رضي الله عنه قال: مر بنا جنازة فقام لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، قال: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا) متفق عليه، وفي لفظ لمسلم: (إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا)، قال العلامة ابن باز غفر الله له: "وهذا يدل على أن السنة القيام للجنازة ولو كانت كافرة، فإن للموت فزعا، وهذا القيام سنة وليس بواجب، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام وقعد، فدل ذلك على أن القيام ليس بواجب وإنما هو سنة".

ومن تبع جنازة فلا يجلس حتى توضع على الأرض، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع) متفق عليه، قال العلامة ابن باز: "والصواب أن الجنازة إذا وضعت في الأرض جلسوا" أي: قبل اللحد، وقال: "السنة لمن تبع الجنازة ألا يجلس حتى توضع من أعناق الرجال على الأرض.

ولا يشرع للنساء اتباع الجنائز، ولهن الصلاة عليها، لقول أم عطية رضي الله عنها: "والأصل في النهي التحريم، وذلك يدل على تحريم اتباع النساء للجنازة إلى المقبرة، أما الصلاة على الميت فإنها مشروعة لهن كالرجال".

ويشرع الإسراع بالجنازة لقوله صلى الله عليه وسلم: (أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) متفق عليه، قال الشيخ ابن باز: "السنة الإسراع بالجنازة، ومعنى ذلك أن يكون مشيا قويا دون الرمل؛ ليقدمها إلى الخير إن كانت صالحة".

وأما دفن الميت فهو فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وهو من نعم الله على عباده، قال الله جل وعلا: ((ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ))، وقال ربنا سبحانه وتعالى: ((أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَاء وَأَمْوَاتاً))، ودفن الميت فيه فضل وأجر، لما روى أبو رافع رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من غسل ميتا فكتم عليه، غفر الله له أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه، أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفَّنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة) خرجه البيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وصححه العلامة الألباني في أحكام الجنائز.

ولا يدفن الميت في أوقات النهي الثلاثة المضيقة إلا لضرورة، لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: "ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمسُ بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب" خرجه الإمام مسلم.

والسنة الدفن في المقبرة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، وأما الشهداء فيدفنون في أماكن استشهادهم في أرض المعركة، ولا ينقلون إلى المقابر، لحديث جابر رضي الله عنه في قتلى أحد، لما أرادوا نقلهم إلى مقبرة المدينة، قال إذ لحق رجل ينادي: "ألا إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت" خرجه الإمام أحمد، وصححه الألباني.

وأما الدفن ليلا، ففي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر الإنسان إلى ذلك، ولكن في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن إنسانا مات بالليل فدفنوه ليلا، فلما أصبحوا أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ما منعكم أن تعلموني؟ قالوا: كان الليل وكانت ظلمة، وكرهنا أن نشقَّ عليك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم قبره فصلَّى عليه)، قال العلامة ابن باز: "هذه الأحاديث تدل على جوز الدفن ليلا، وأما ما جاء في النهي عن ذلك، فهذا إذا كان فيه تقصير في الصلاة عليه"، وقال الشيخ ابن عثيمين: "يجوز دفن الأموات ليلا، إذا قام الإنسان بالواجب، من التغسيل والتكفين والصلاة عليه".

ولا بأس بدفن اثنين وأكثر في قبر واحد عند الضرورة والحاجة الشديدة، لحديث هشام بن عامر قال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فقلنا: يا رسول الله! الحفر علينا لكل إنسان شديد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احفروا، وأعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، قالوا: فمن نقدِّم يا رسول الله؟ قال: قدِّموا أكثرهم قرآنا، قال: فكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد) خرجه أهل السنن وصححه الألباني.

ولا بأس بجمع الأقارب في مقبرة واحدة، لحديث المطلب قال: (لما مات عثمان بن مظعون، أُخرج بجنازته فدفن، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحسر عن ذراعيه، قال المطلب: قال الذي يخبرني عن ذلك: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال عليه الصلاة والسلام: أتعلَّمُ بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي) خرجه الإمام أبو داود وقال الحافظ: إسناده حسن، قال الموفق ابن قدامة: "ولأن ذلك أسهل لزيارتهم، وأكثر للترحم عليهم".

واللحد أفضل من الشَق إذا كانت الأرض صُلبة لا ينهال ترابها، وإن كانت رخوة تنهال فالشق أولى، لحديث عامر بن سعد أن سعد بن أبي الوقاص رضي الله عنه قال في مرضه الذي هلك فيه: "الحدوا لي لحدا، وانصبوا عليّ اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم" خرجه الإمام مسلم. وفي السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: (اللحد لنا والشق لغيرنا)، واللحد معروف وهو الذي يعمل به في بلادنا، وأما الشق فهو أن يحفر في وسط القبر طولا كالنهر، ويبنى جانباه باللبن وغيره، أو يشق وسط القبر فيصير كالحوض، ثم يوضع الميت فيه، ويسقف عليه بأحجار ونحوها، ويرفع السقف قليلا بحيث لا يمس الميت، قال العلامة ابن باز: "وعمل الصحابة وعمل المسلمين، يدل على أن اللحد والشق جائزان، وذكر النووي إجماع العلماء على جواز الأمرين، وقد كان في المدينة لاحد وشاق، ولكن اللحد أفضل، وإذا احتيج إلى الشق جاز، كما في الأرض الرخوة.

ويغطى قبر المرأة عند إدخالها القبر لأنه أستر لها، وقد روي ذلك عن عمر وعلي وأنس وعبدالله بن يزيد والحسن، قال الشيخ ابن باز: "يوضع ثوب على المرأة عند إدخالها القبر، حتى لا يظهر من جسمها شيء"، وذكر العلامة ابن عثيمين أن هذا مما فعله السلف واستحبه العلماء، ويكون هذا التخمير والتسجية إلى أن يُصف اللبن عليها.

وأولياء الميت هم أحق بإنزاله، لعموم قوله تعالى: ((وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ))، فليحذر صاحب الميت وصديقه من التقدم على أقاربه لأنهم أولى، إلا أن يأذنوا له، ولا بأس بإدخال الرجل زوجته قبرها لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي بُدئ فيه فقلت: وارأساه، فقال: (وَددتُ أن ذلك كان وأنا حيٌّ، فهيأتُك ودفنتك) رواه الإمام أحمد وهو في الصحيح بنحوه.

ويُدخل الميت من قِبل رجلي القبر، لأن عبدالله بن زيد رضي الله عنه صلى على الحارث ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر وقال: "هذا من السنة" رواه أبو داود وصححه العلامة الألباني. قال الشيخ ابن باز: "هذا أحسن ما ورد في ذلك، وروي في ذلك نوعان آخران، أحدهما: سلّه من جهة القبلة، والثاني: سلَّه من جهة رأس القبر، والأمر في هذا واسع، لكن أحسن ما ورد ما رواه عبدالله بن زيد، لأن قوله من السنة في حكم المرفوع عند أهل العلم.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أدخل الميت القبر يقول: (بسم الله وعلى ملة رسول الله)، أو يقول: (بسم الله وعلى سنة رسول الله) خرجه الإمام أبو داود وغيره وصححه الألباني.

ويجعل الميت في قبره على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة، وعلى هذا جرى عمل أهل الإسلام إلى يومنا هذا، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في البيت الحرام: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً) خرجه الإمام أبو داود.

وينبغي أن يقرب من حائط القبر القِبلي، لئلا ينكب على وجهه، ويسند من خلف ظهره بتراب لئلا ينقلب على ظهره.

وتحل عن الميت العقد بعد أن يوضع على جنبه الأيمن في القبر، قال العلامة ابن باز: "هذا هو الأفضل لفعل الصحابة رضي الله عنهم".

ويُنْصَب اللبن على فتحة اللحد، ويسد ما بين اللبن من خلل بقطع اللبن، ويجعل الطين فوق ذلك لئلا يصل التراب إلى الميت.

وبعد الفراغ من سد اللحد يحثي على القبر ثلاث حثيات، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثاًً) خرجه ابن ماجه وصححه الألباني. قال العلامة ابن باز: "هذا يدل على أنه يستحب لمن حضر الدفن أن يشارك مع الناس ولو بثلاث حثيات" انتهى كلامه. ولا يزاد على القبر من غير ترابه.

ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر لحديث جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحد له لحدا، وونصب عليه اللبن نصبا، ورفع قبره عن الأرض نحوا من شبر) خرجه البيهقي وصححه ابن حبان.

ويكون القبر مسنما، أي: على هيئة سنام الجمل، لحديث سفيان التمَّار: (أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما) خرجه البخاري.

وتوضع على القبر الحصباء، ويرش بالماء حتى يثبت التراب، وفي سنن أبي داود عن القاسم أنه رأى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما، فإذا هي مبطوحة ببطحاء العرْصَةِ الحمراء) والبطحاء هنا: الحصى الصغار، وروى جعفر بن محمد عن أبيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رش على قبر إبراهيم ابنه الماء، ووضع عليه الحصباء) خرجه البيهقي وقال في الإرواء: "سنده صحيح مرسل".

وله أن يُعلم القبر بحجر أو لبن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم قبر عثمان بن مضعون رضي الله عنه بحجر وضعه عند رأسه وقال: (أتعلَّم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي) خرجه الإمام أبو داود، قال العلامة ابن باز: "لا بأس بوضع علامة على القبر ليعرف، كحجر أو عظم أو حديد، من غير كتابة ولا أرقام، لأن الأرقام كتابة، وقد صح النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الكتابة على القبر، أما وضع حجر على القبر، أو صبغ الحجر بالأسود أو الأصفر حتى يكون علامة على صاحبه فلا يضر" انتهى كلامه غفر الله له.

ويقف الحاضرون بعد الفراغ من الدفن على القبر يدعون للميت بالثبات ويستغفرون له، لحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: (استغفروا لأخيكم، وسلُوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل) رواه أبو داود والحاكم وصححه.

ولا يجوز بناء المساجد على القبور، لحديث عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة في الحبشة فيها تصاوير فقال الخليل المصطفى صلى الله عليه وسلم: (أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) خرجاه في الصحيحين.

ولا يجوز اتخاذها مساجد، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد -يحذر ما صنعوا) خرجاه في الصحيحين أيضا.

ولا يجوز بناء القباب وغيرها على القبور، ولا ترفع أكثر من شبر، لحديث أبي الهياج الأسدي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال له: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الهل عليه وسلم: ((ألاّ تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سوّيته" خرجه الإمام مسلم.

ويحرم إسراج القبور، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج" خرجه أهل السنن وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية غفر الله له.

ولا يجوز اتخاذ القبور عيدا، بأن يتردد إليها الناس في أوقات محددة كيوم العيد، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) رواه أبو داود وغيره.

ولا تشد الرحال إلى زيارتها لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى) خرجاه في الصحيحين.

وليست المقابر من المواضع التي يُرغب في قراءة القرآن فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) خرجه الإمام مسلم.

ثم اعلم أعزك الله بالسنة، أن تحريم البناء على القبور، وتحريم إقامة المساجد عليها هو قول جميع الأئمة، ونص على ذلك أهل المذاهب الأربعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد اتفق أئمة الدين، على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا أن تعلق عليها الستور، ولا أن تنذر لها النذور، ويجب هدم كل مسجد بُني على قبر كائنا من كان الميت، فإن ذلك من أكبر أسباب عبادة الأوثان" انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو من أعرف الناس بالإجماع والاختلاف.

ألا فاعلموا أن زيارة القبور، ومنها قبر النبي صلى الله عليه وسلم مشروعة بدون شد رحل، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك حيث قال: (لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) خرجه الإمام مسلم والترمذي وزاد: (فإنها تذكركم الآخرة).

فالمقصود بزيارة القبور معاشر الإخوان تذكر الآخرة، والإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والاستغفار، والعمل بسنة الخليل المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، هذه هي الزيارة الشرعية.

وهناك زيارة بدعية، وهي أن يزورهم لقصد الدعاء عند قبورهم، أو سؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات أو شفاء المرض، وسؤال الله بهم أو بجاههم، وكل هذا بدعة لم يشرعه الله تعالى، وبعض هذه الأمور من الشرك الأكبر، كدعاء الموتى، والاستعانة والاستغاثة بالمقبورين، وسؤالهم النصر والشفاء وطلب المدد منهم.

أما بعد يا معاشر المؤمنين: فلقد تقدم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في دفن الميت وزيارته، لكن الفتنة قد عمت بالقبور والمشاهد والأضرحة في زماننا، وخالفوا هدي الخليل المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، تلك القبور التي يزعمون أنها قبور الأولياء والصالحين، بنيت عليها القباب والمساجد، وأقبل الناس إليها أفواجا من كل مكان، يعكفون عندها، ويقبلون جدرانها، ويطلبون المدد والغوث من أهلها، ويتبركون بتربتها، وهذا مشاهد لا يخفى على البصير، قد حمل لواءه رموز التصوف، يأزون أتباعهم إلى هذه الجهالات والبدع والشركيات أزا، ويزينون لهم ذلك، بل يشاركونهم، ثم يَظهرون في القنوات وغيرها زاعمين بأن التصوف يرتقي بالفكر ويهذب النفس، ويطالبون من ينتقدهم بالرجوع إلى كتب علم التصوف، وعدم الالتفات إلى هؤلاء العوام الجهلة أتباعهم.

فيقال: نعم، هلم فلنرجع إلى كتبكم بعدل وإنصاف، ولننظر في عقائدكم المدونة فيها، فالحكم عليهم من كتبهم ومراجعهم الموثوقة عندهم، وبعدها سيظهر لك شيء من الفكر الصوفي المنحرف، وستعلم كيف يقدس الصوفية القبور، حتى شابهوا أولئك الذين عبدوا ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا، وإليك الدليل والبرهان من كتبهم.

يقول محمد أمين الكردي الصوفي في كتابه تلوين القلوب في معاملة علام الغيوب، يقول: "وما يفعله العامة من تقبيل أعتاب الأولياء والتابوت الذي يُجعل فوقهم فلا بأس به"، ويقول في موضع آخر: "كل شأن من شؤون العبادة وطلب العلم والكشوفات مرتبط بالقبور، بل تلقي العلوم وفيضها والتكليف واستمداد كل خير، كل ذلك مرتبط بالقبور".

وألَّف عالمهم أحمد بن الصديق الغُماري الصوفي كتابا ينصر فيه عباد القبور واسمه: إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور، فمشايخهم كما ترى يستحبون ما نهى عنه الخليل المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، ولعن فاعله، ألا وهو البناء على القبور، وعوامهم تبع لهم في ذلك، ثم يقولون: لا تلتفتوا لمن يتبركون ويتمسحون ويطوفون بالقبور، مع أنهم ثمرة من ثمارهم، وإذا نظرت في كتاب الطبقات الكبرى للشعراني، وهو من أجلِّ كتبهم عندهم، وجدت فيه تعظيم القباب والإشادة بها وأنها شعار أوليائهم.

ومن ذلك ما أورده في ترجمة شيخهم سعود المجذوب قال: "ودفن بزاويته، وله قبة خضراء، بناها له الباشا سليمان". وقال في ترجمة الشيخ إبراهيم: "وعمر لنفسه قبة وزاوية ودفن بها". وقال في ترجمة نور الدين الشوني: "ودفن عند باب القبة المجاورة لباب المدرسة القادرية". واستمع إلى أبي الهدي الرفاعي الصوفي كيف يصرح بأن حجهم إنما هو إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وقبر الرفاعي شيخه فيقول:

بيتان حج العارفون إليهما***بيت الرسول وشبله ببطاح

أعني به المولى الرفاعي الذي***خلقت أنامله من الأرباح.

ذكر ذلك في قلادة الجواهر، ويقول أيضا مصرحا بأن قبر الرفاعي هو كعبة أتباعه، يقول:

هو كعبة العشاق فالزم ركنه***وابشر بنور القلب والأفراح.

ونقل الشعراني في طبقاته عن صوفيهم محمد بن أحمد الفرغلي أنه كان يقول: "أنا من المتصرفين في قبورهم، فمن كانت له حاجة فليأت إليَّ قبالة وجهي ويذكرها أقضها له". وقال الشعراني في ترجمة معروف الكرخي: "ويستسقى بقبره". وقال في ابن ضيف الله: "وقبره يزار ويستسقى به الغيث". وقال صاحب كتاب المطرب في مشاهير أولياء المغرب في آخر ترجمة شيخهم أحمد بن عاشر: "وضريحه مقصود للزيارة، وخاصة من أصحاب الأمراض والعاهات"، نعم، يزوره أصحابهم أصحاب الأمراض والعاهات للاستشفاء، هكذا يروج أئمة الضلالة لبدعهم وشركياتهم، ويغررون بعوام المسلمين، ثم يزعمون أن طرقهم مقصودها ترقيق القلوب، والزهد في الدنيا، والرقي بالفكر، كذبوا والله بل هو إفساد للقلوب بهذه البدع والشركيات والخرافات. وههو صوفي آخر محمد بن سعد يقول في قصيدة يمدح بها شيخه التيجاني، ويدعو لتقبيل تربة قبره فيقول:

وقبِّل الترب في فاس بزاوية***فيها الهدى والتقى والحفظ من باس

فيها التيجاني أبو العباس خير فتى***حاز الكمال حبيب العين والراسي

وأما قبر معروف الكرخي فيقول عنه هؤلاء المتصوفة: "إنه ترياق مجرب" يعني: على طريقتهم البدعية.

وأما حديث الصوفية عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجيب، خالفوا السنة، وتركوا ما عليه أهل الإسلام، وعصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ههو عبدالرحيم البُرَعي من أكابر شعراء الصوفية وأشهرهم، ههو يغلو في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدعوه ويستغيث به فيقول مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم في قبره:

يا صاحب القبر المنير بيثرب***يا منتهى أملي وغاية مطلبي

يا من به في النائبات توسلي***وإليه في كل الحوادث مهربي

يا من نرجيه لكشف عظيمة***ولحل عقد ملتو متصعب

يا من يجود على الوجود بأنعم***خضر تعم عموم صوب الصيب

يا غوث من في الخافقين وغيثَهم***وربيعَهم في كل عام مجدب

يا من نناديه فيسمعنا على***بعد المسافة سمع أقرب أقرب

يا سيدي إني رجوتك ناصرا***من جور دهر خائن متقلب

فأقل عثار عُبيدك الداعي الذي***يرجوك إذ راجيك غير مخيب

واكتب له ولوالديه براءة***من حر نار جهنم المتلهب

واقمع بحولك باغضيه وكل من***يؤذيه من متمرد متعصب.

هكذا يقول البُرَعي في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا إله إلا الله، إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم هو الموئل والملاذ والمرجى، والمدعو والمغيث والمنادى وغافر الذنب، ويكتب لمن يشاء براءة من النار، ويجيب المضطر إذا دعاه، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم عندهم كذلك، فما بقي لله رب العالمين؟ أولم يعلموا بقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ))، وقول ربنا سبحانه لخليله صلى الله عليه وسلم: ((قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ))


ما رأيكم في الموقع ؟