أحكام الجنائز (2)
   عدد المشاهدات : 5094

أحكام الجنائز (2): (أحكام صلاة الجنازة)

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد :

فيقول الله سبحانه وتعالى في المنافقين: ((وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ))، فلما نهي عن الصلاة على المنافقين لكفرهم، عُلم أن الصلاة المؤمنين شريعة قائمة، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على أموات المسلمين، وربما قال: (صلوا على صاحبكم).

الصلاة على الميت لها فضل عظيم، فقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من اتّبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معه حتى يُصلَّى عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط) متفق عليه، ولما بلغ ذلك ابن عمر رضي الله عنهما قال: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة". وسئل الشيخ ابن باز غفر الله له، عمن صلى على خمس جنائز فهل له بكل جنازة قيراط؟ فأجاب بقوله: "نرجوا له قراريط بعدد الجنائز".

والصلاة على الميت معاشر المؤمنين، لها أثر عظيم إن قبل الله شفاعة إخوانه فيه، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة، كلهم يشفعون له إلا شُفِّعوا فيه) رواه مسلم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئا، إلا شفعهم الله فيه) خرجه الإمام مسلم أيضا. قال العلامة ابن باز: "قال أهل العلم في الجمع بين حديث المائة وحديث الأربعين: إن حديث المائة أولا، ثم تفضل الله وجعل الأربعين يقومون مقام المائة في قبول الشفاعة".

وأما شهيد المعركة فلا يصلى عليه، لحديث جابر رضي الله عنه في قتلى أحد وفيه: (وأمر صلى الله عليه وسلم بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم) خرجه الإمام البخاري. وأما الذي يجرح في المعركة ثم يموت بعد ذلك، فإنه يصلى عليه، وكذلك شهداء غير المعركة يصلى عليهم، كالذي يموت بالهدم والغرق، وكذلك المقتول ظلما، كل هؤلاء يغسلون ويصلى عليهم.

ولا يصلي الإمام الأعظم على الغالِّ وقاتل نفسه، بل يصلي عليه سائر الناس، لحديث زيد بن خالد الجهني: (أن رجلا من المسلمين توفي بخيبر، وأنه ذُكِرَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: صلّوا على صاحبكم فتغيرت وجوه القوم لذلك، فلما رأى الذي بهم قال: إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله، قال: ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزا من خرز اليهود ما يساوي درهمين) رواه أبو داود وغيره، ولحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بِمَشَاقص فلم يصلِّ عليه) خرجه مسلم. قال العلامة ابن باز: "قاتل نفسه أتى جريمة عظيمة، فلا يصلي عليه الإمام أو كبار البلد والجماعة، ويصلي عليه غيرهم.

ولقد جاءت سنة الخليل المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة على من قُتل حدا، فعن جابر رضي الله عنه: (أن رجلاً من أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاعترف بالزنا، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أبك جنون؟ قال: لا. قال: أحصنت؟ قال: نعم، فأمر به فرجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة فرَّ، فأُدرِك فَرُجِم حتى مات، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا وصلّى عليه) متفق عليه. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه صلى على الغامدية التي اعترفت بالزنا فرجمت.

وتشرع الصلاة على الغائب عن البلد بالنية، قال أبو هريرة رضي الله عنه: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشيَّ في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعا) خرجاه في الصحيحين. قال العلامة ابن باز غفر الله له: "واختلف العلماء في الصلاة على الغائب، فمنهم من قال: لا يُصلَّى على أحد إلا النجاشي، ومنهم من قال: يقاس على النجاشي من كان مثله، فيصلى على من له شأن في نصر الإسلام والمسلمين، وهذا عليه أئمة الدعوة".

وأما الصلاة على القبر، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: (انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب فصلَّى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعا) خرجه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن امرأة سوداء كانت تقمّ المسجد، أو شابّاً، ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها أو عنه فقالوا: مات، فقال صلى الله عليه وسلم: أفلا كنتم آذنتموني؟ قال: فكأنهم صغَّروا أمرها أو أمره، فقال صلى الله عليه وسلم: دلّوني على قبره، فدلّوه فصلى عليها ثم قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم) خرجاه في الصحيحين. قال العلامة ابن باز غفر الله له: "وأكثر ما ورد في الصلاة على القبر شهر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صلى على أم سعدٍ بعد شهر، أما ما زاد فالأصل عدم ذلك، أما ما ذُكر من صلاته على قتلى أحد، فيحتمل أنه دعا لهم كدعوات الجنازة، ويحتمل أن هذا خاص به يودع الأحياء والأموات".

وأما موقف الإمام من الرجل والمرأة في صلاة الجنازة، فيقف عند رأس الرجل ووسط المرأة، لحديث أبي غالب قال: "صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل فقام حيال رأسه، ثم جاؤوا بجنازة امرأة من قريش فقالوا: يا أبا حمزة صلِّ عليها، فقام أنس حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيتَ النبي صلى الله عليه وسلم قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم، فلما فرغ قال: احفظوا" رواه الإمام أحمد وغيره. قال ابن القيم: "وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم عند رأس الرجل ووَسْط المرأة".

وإذا اجتمعت جنائز عديدة من الرجال والنساء، صلى عليها صلاة واحدة، ويجعل الذكور ولو كانوا صغارا مما يلي الإمام، وجنائز الإناث مما يلي القبلة، قال الشيخ الألباني رحمه الله: "ويستحب أن يصفوا -يعني: المصلين- وراء الإمام ثلاثة صفوف فصاعدا، لحديثين رويا في ذلك، الأول عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة ومعه سبعة نفر، فجعل ثلاثة صفّا، واثنين صفّا، واثنين صفّا).

وأما وقت صلاة الجنازة، فيصلى على الجنازة في أي وقت إلا في ثلاثة أوقات، وهي الواردة في حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: "ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمسُ بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّف الشمس للغروب حتى تغرب" خرجه الإمام مسلم.

وأما أوقات النهي الأخرى: بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، فلا حرج في الصلاة على الجنازة فيها، قال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: "يصلى على الجنازة بعد الصبح وبعد العصر إذا صُلِّي لوقته" رواه الإمام مالك وصحح إسناده العلامة الألباني.

وأحق الناس بالإمامة في صلاة الجنازة وصيه الذي أوصى أن يصلي عليه ثم الوالي، فإن صلي عليه في المسجد، فإمام المسجد الراتب أولى من الوصي، قال العلامة ابن باز: "إمام المسجد أولى بالصلاة على الجنازة من الشخص الموصى له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه) وإمام المسجد هو صاحب السلطان في مسجده".

أما بعد، وصفة الصلاة على الجنازة على النحو الآتي:

يتوضأ كما أمر الله لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تقبل صلاة بغير طهور) رواه مسلم.

ثم يقوم الإمام عند رأس الرجل ووسط المرأة، ويصف المأمومون خلف الإمام كصفوف الصلاة المفروضة، لحديث جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث) متفق عليه.

ثم يكبر الإمام التكبيرة الأولى قائما ويرفع يديه، لأنه صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي وكبر عليه عليه أربعا، وأما رفع اليدين في التكبيرة الأولى من صلاة الجنازة، لحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى) رواه الترمذي وحسنه الألباني. قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن المصلي على الجنازة يرفع يديه في أول تكبيرة يكبرها".

ثم يضع يده اليمنى على اليسرى ويستعيذ ويبسمل سرا، ثم يقرأ الفاتحة سرا، لحديث أبي أمامة أنه قال: "السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مُخَافَتَة، ثم يكبر ثلاثا، والتسليم عند الآخرة" رواه النسائي وصححه الألباني. قال العلامة ابن باز: "والجهر بها -أي: الفاتحة- في بعض الأحيان لا بأس به، وإن قرأ معها سورة قصيرة فلا بأس أيضا بل هو أفضل" انتهى كلامه.

ويقرأ سورة قصيرة بعد الفاتحة لقول طلحة بن عبيدالله بن عوف: "صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال: سنة وحق" خرجه النسائي وصححه العلامة الألباني.

ثم يكبر التكبيرة الثانية، رافعا يديه حذو منكبيه أو حذو أذنيه، ثم يضع اليمين على الشمال، قال الشيخ ابن باز: "السنة رفع اليدين مع التكبيرات الأربع كلها؛ لما ثبت عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يرفعان مع التكبيرات كلها، ورواه الدارقطني مرفوعا من حديث ابن عمر بسند جيد".

ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم كما يصلي عليه في التشهد الأخير، لحديث أبي أمامة أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "أن السنة في الصلاة على الجنازة، أن أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرّا في نفسه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم" أخرجه الحاكم والبيهقي وصححه العلامة الألباني.

ثم يكبر التكبيرة الثالثة ويدعو للميت بما ورد، ويخلص الدعاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) رواه أبو داود.

ومن الأدعية الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في هذا المقام قوله: (اللهم اغفر لحيِّنا وميِّتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته فتوفَّه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تُضلَّنا بعده). ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نُزُلَه، ووسِّعْ مُدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقِّهِ من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلاً خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار) وفي لفظ: (وقِهِ فتنةَ القبر).

ثم يكبر التكبيرة الرابعة ويقف قليلا، ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه قائلا: السلام عليكم ورحمة الله. قال العلامة ابن باز: "وقد ثبتت التسليمة الواحدة عن الصحابة". وقال الشيخ ابن عثيمين غفر الله له: "والصحيح أنه لا بأس أن يسلم مرة ثانية، لورود ذلك في بعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم".

والمسبوق في صلاة الجنازة يعتبر ما أدركه مع الإمام أول صلاته، وما يقضيه آخرها، قال الشيخ ابن باز: "فإذا أدرك الإمام في التكبيرة الثالثة، كبر وقرأ الفاتحة، وإذا كبر الإمامُ الرابعة، كبر بعده وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا سلم الإمام كبر المأموم المسبوق ودعا للميت موجزا، ثم يكبر الرابعة ويسلم".

فاللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام...


ما رأيكم في الموقع ؟