قل لله الشفاعة جميعاً
   عدد المشاهدات : 5574

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،  ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)) ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)).

أما بعد: فيقول الله سبحانه وتعالى: ((وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)) ، وقال ربنا جل وعلا: ((وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ)) ، فيجب الإيمان بنشر الصحف وأخذها بالأيمان أو الشمائل، كما قال ربنا جل وعلا: ((فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً)) ، قال مجاهد غفر الله له: "تجعل شماله وراء ظهره فيأخذ بها كتابه"، وقال سعيد بن المسيب: "الذي يأخذه بشماله، تلوى يده خلف ظهره ثم يعطى كتابه"، قال الحافظ ابن كثير: "تثنى يده إلى ورائه ويعطى كتابه بها" أي: بشماله كذلك. والأمر كما قال ربنا جل وعلا: ((اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)) ، فكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي، والله على كل شيء قدير.

وأهل السنة يؤمنون بالحساب الذي صحت به الأخبار، والمراد به توقيف الله العباد قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم، خيرا كانت أو شرا، ولكن يستثنى من ذلك من يدخل الجنة بغير حساب كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.

والحساب ثابت بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق، فيجب الإيمان به واعتقاد ثبوته، يقول ربنا جل وعلا: ((فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) ، ويقول جل وعلا: ((فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً)) ، في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نوقش الحساب عذب، قالت فقلت: أليس الله يقول: ((فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً))؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك العرض، وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك) والمعنى: أنه لو ناقش في حسابه عبيده لعذبهم ولكنه يعفو ويصفح، فيحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن، فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وفي الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن الله يدني منه عبده المؤمن فيضع عليه كنفه، ويحاسبه فيما بينه وبينه، ويقرره بذنوبه فيقول: ألم تفعل كذا يوم كذا؟ ألم تفعل كذا يوم كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه وأيقن أنه قد هلك قال له: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) خرجاه في الصحيحين.

وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، كما قال ربنا جل وعلا: ((فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً)) فإنه ليس لهم حسنات، بل ما عملوه يكون هباء منثورا، ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها، ويجزون عليها كما قال الله جل وعلا: ((يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ)) وقال سبحانه وتعالى: ((وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)) ، وينادى بهم على رؤوس الخلائق: ((هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)).

ويؤمن أهل السنة بالحوض المورود للنبي المختار محمد صلى الله عليه وسلم والذي يكون في عرصات يوم القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا، وهو حق ثابت بإجماع أهل الحق، تواترت الأحاديث في إثباته، يقول ابن القيم غفر الله له: "قد روى أحاديث الحوض أربعون من الصحابة، وكثير منها أو أكثرها في الصحيح"، وقال الحافظ السيوطي: "ورد ذكر الحوض من رواية بضعة وخمسين صحابيا منهم الخلفاء الأربعة الراشدون، وحفاظ الصحابة المكثرون رضي الله عنهم، ثم ذكر الأحاديث واحدا واحدا"، ومن هذه الأحاديث ما خرجه الإمام البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيها من الأباريق كعدد نجوم السماء) وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لا يظمأ أبدا) وروى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني فرطكم على الحوض، من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم) وورد أن لكل نبي حوضا ترد عليه أمته، ولكن الحوض الأعظم مختص به صلى الله عليه وسلم فحوضه أعظمها وأكثرها واردا كما أخرج الترمذي من حديث سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن لكل نبي حوضا وإنهم يتباهون أيهم أكثرا وارده وإني أرجو أن أكون أكثرهم وارده) قال في السلسلة الصحيحة: وجملة القول أن الحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح.

ويؤمن أهل السنة بالصراط المنصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، وذلك بعد مفارقة الناس للموقف وحشرهم وحسابهم، فمنهم من يمر عليه كلمح البصر ومنهم من يمر عليه كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يُخطف ويلقى في جهنم، فإن الجَسْر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن مرّ على الصراط ونجى دخل الجنة، فإذا عبروا عليه وُقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في الدخول الجنة، فيدخلونها بعد هذا الاختصاص وقد ذهب ما في قلوبهم من غلّ، كما قال ربنا جل وعلا: ((وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ))[الحجر:47].

ثم اعلم أنه بحسب استقامة الإنسان وثباته على دين الإسلام والصراط المستقيم في الدنيا يكون ثباته واستقامته على الصراط في الآخرة، فاللهم سلم سلم.

وقع في حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: قلنا: وما الجسر؟ قال صلى الله عليه وسلم: (دحض مزلة) رواه مسلم، أي: تزل فيه الأقدام، عند مسلم أن أبا سعيد رضي الله عنه قال: "بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف".

وأول من يستفتح باب الجنة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ومعنى يستفتح أي: يطلب الفتح للجنة بالقرع فيفتح له، كما في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك) وعند مسلم أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال: (وأنا أول من يقرع باب الجنة).

وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته عليه الصلاة والسلام، وذلك لفضلها على الأمم كما قال عز وجل: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ))[البقرة:143] في المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل) وأما قوله تعالى في بني إسرائيل: ((وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ))[الجاثية:16]. فالمراد والله أعلم: وفضلناهم على عالمي زمانهم لا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (نحن السابقون الأولون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم) أي: لم يسبقونا إلا بهذا القدر، وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة) خرجه الإمام مسلم، يقول ابن القيم غفر الله له: "فهذه الأمة أسبق الأمم خروجا من الأرض، وأسبقهم إلى اعلى مكان في الموقف، وأسبقهم إلى ظل العرش، وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم، وأسبقهم إلى الجواز على الصراط، وأسبقهم إلى دخول الجنة، فالجنة محرمة على الأنبياء حتى يدخلها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومحرمة على الأمم حتى تدخلها أمته، وأما أول الأمة دخولا فأبو بكر رضي الله عنه كما رواه أبو داود في السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم" انتهى كلام ابن القيم غفر الله له.

معاشر المؤمنين، مما يؤمن به أهل السنة: الإيمان بالشفاعة التي تكون يوم القيامة، والشفاعة: هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم، وعرّفها بعضهم بقوله: هي طلب الخير للغير، وهي ثابتة تواترت الأدلة في إثباتها، ومنها: ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجّل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا) وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أنا أول شافع وأول مشفع) إلى غير ذلك من الأحاديث التي بلغت حدّ التواتر، فيجب الإيمان بها واعتقاد مضمونها خلافا لما عليه الخوارج والمعتزلة الذين أنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من الموحدين.

ثم إن الناس في إثبات الشفاعة ونفيها قد انقسموا إلى ثلاثة أقسام:

قسم غلوا في إثباتها حتى أثبتوا شفاعة الأصنام والأوثان، وهم المشركون ومن وافقهم من مبتدعة هذه الأمة، فأثبتوا الشفاعة التي نفاها الله، كما ذكر الله ذلك عنهم في قوله: ((وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ))[يونس:18].

القسم الثاني: غلوا في نفي الشفاعة وهم الخوارج والمعتزلة، فأنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من أمته.

القسم الثالث: أهل السن والجماعة أثبتوا الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من النبيين والصديقين وغيرهم، وشفاعة هؤلاء لا تكون إلا بعد إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له، كما قال جل وعلا: ((مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ))، وقال سبحانه وتعالى: ((وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى))، وهو جل وعلا لا يرضى إلا التوحيد، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه).

فاللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام...


ما رأيكم في الموقع ؟