الحملات الإعلامية ضد الدعوة الإصلاحية
   عدد المشاهدات : 4247

الحملات الإعلامية ضد الدعوة الإصلاحية

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ))، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً))، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)).

أما بعد، فيقول الله تبارك وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً))، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن موسى عليه السلام كان رجلاً حييًّا ستيرًا، لا يُرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أُدْرَة وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا، فخلا يومًا وحده فخلع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر –أي: ثوبي يا حجر- حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عُريانًا أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر –أي: ثبت مكانه- فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه، ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً))".

وفي المسند والصحيحين عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قسمًا، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فقلت: يا عدو الله، أما لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت، قال: فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فاحمر وجهه ثم قال صلوات الله وسلامه عليه: رحمة الله على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر".

 قال الله عز وجل: ((إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً))، هذا في إيذاء المرسلين، وكذلك إيذاء المؤمنين ورميهم بما برأهم الله به خلق قبيح، وجرم عظيم، قال الله عز وجل: ((وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً)).

ولقد أنزل الله من فوق سبع سماوات آيات تتلى في مساجد المسلمين، برأ فيها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما رماها أهل الإفك بما رموها به، قال الله عز وجل: ((إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)).

ومن الإيذاء للمؤمنين ورميهم بما برأهم الله منه: ما دأب عليه أهل الأهواء والبدع، من التعرض لأهل السنة بالسب والبهتان والقدح، ووصفهم بما برأهم الله منه، كقولهم عن أهل السنة: إنهم حشوية وعامة ومجسمة ونواصب، وأعداء لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخيرًا وصفهم بالوهابية. وهذا الإيذاء ليس بغريب، وما تكن صدورهم أكبر، وهذه عادة أهل الأهواء مع أهل السنة، كما قال سلفنا الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم: "من علامة أهل البدع: الوقيعة في أهل الأثر"، وهي حيلة العاجز، إذا ظهرت دولة أهل السنة، وتجلى الصبح لذي عينين، سعى المبطلون لتغطية الشمس بغربال، وبثوا أكاذيبهم، لصد الناس عن دعوة الحق، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره.

وما نراه اليوم ونسمعه من حملة إعلامية جائرة، وهجمة  كلامية ظالمة، مسلطة على بلاد الحرمين المملكة العربية السعودية، أعظم معاقل أهل السنة، إن هذه الحملة، وتلك الهجمة، لا يستغربها أهل هذه البلاد، فهي ليست وليدة اليوم والليلة، لا بل هي امتداد لحملة الأباطيل والأكاذيب، التي رفع لواءها دعاة التصوف الخرافي والرفض، منذ ثلاثمئة سنة، نعم، بدأت هذه الحملة الجائرة حينما ظهرت دعوة التجديد والإصلاح في نجد، على يد الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله وغفر له، حينما رأى بعد كثير من المسلمين عن السنة المحمدية والتوحيد الخالص، وتعلقهم بالقبور، بناءً للقباب عليها، وقد نهى عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بهدم القباب، ودعاءً للمقبورين، وطلبًا للمدد منهم، وكشفًا للكربات، فصاروا يدعونهم كما يدعون الله تبارك وتعالى، ويلجؤون إليهم كما يلجؤون لجبار السماوات والأرضين، ويزعمون أن الله أوكل تصريف الكون لهؤلاء الأولياء والأقطاب، مع بدع وشركيات أخرى.

أضف إلى ذلك تسلط رموز التصوف الخرافي والرفض على عقول عوام المسلمين، فعلقوهم بالقبور، واتخذوا ذلك وسيلة للحصول على أموال الضعفاء والمساكين، بدعوى تقديم القرابين للمزارات والأضرحة، وحب أولياء الله تبارك وتعالى.

فلما قام الإمام المجدد ومن معه من العلماء والأمراء آل سعود يبصرون الناس، ويسعون لإنقاذ هؤلاء الحيارى المغرر بهم، لما سعى هؤلاء المصلحون بذلك، فزع دعاة الباطل، وسعوا لصد العامة عن دعوة التوحيد، فنشروا الأباطيل، وجاؤوا بالإفك المبين، ومكروا مكرا كبارا، لكن الله خذلهم، فهذبت تلك الأباطيل، وامَّحت تلك الأكاذيب، وتجلى للناس بحمد الله صفاء هذه الدعوة وأهلها وعلمائها ودولتها، وتجلى أيضًا كذب رموز التصوف والرفض، وتلاعبهم بعقول المسلمين، إذا أعياهم الدليل لجؤوا إلى التلبيس وتحريض العامة، وبث روح الكراهية والبغضاء، ولكن هيهات هيهات، قد أبطل الله كيدهم، وجاء الحق وزهق الباطل، الآن حصحص الحق.

وإن من عجيب صنع الله ولطفه بدولة التوحيد، أن تلك الحملات الجائرة، التي تعرضت لها مدة ثلاثمئة سنة، تكون عاقبتها خيرا، كما قال ربنا عز وجل: ((لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ))، فيرى الناس ذلك الباطل، وقد أزهقه الله في ساعة، وهذه الحملة الأخيرة على بلادنا شاهدة على ذلك، أبطلها الله بكلمات مباركات من إمام المسلمين وخادم الحرمين الشريفين، فصغرت بعدها دعاة الفتنة والتحريض، واطمأنت بها نفوس أهل السنة والتوحيد، وتبين أن بلادنا ودعوتنا لا تلقي بالاً للمرجفين، ولا يؤثر فيها القنواتيون المأجورون، إنما هو بذل وعطاء وإصلاح، في عقل وحكمة ومراعاة للمصالح ودرء المفاسد.

معاشر الموحدين، قد بلغكم أن هذه الحملات الدعائية الجائرة، قد مضى لها ثلاثمئة سنة، أي أن من يلوكون ألسنتهم اليوم بالطعن والهمز واللمز، لهم شيوخ وأئمة، وهذا صحيح، فإنه قد تولى كبْر هذه الدعاية الباطلة أقوام، والموجودون اليوم إنما هم أفراخهم وعلى طريقتهم سائرون، ولذا فإن الحديث سيكون عن رؤوس القوم وأئمتهم في الكذب والبهتان والدعايات الباطلة، فمن هم؟ من الذي تولى كبْر حملة الكراهية هذه؟ ومن الذي سعى في إيذاء أهل السنة؟

إن الجواب على ذلك يستدعي تقليب صفحات التأريخ، وعرض نماذج من كتابات دعاة الكراهية لتعلم أن القوم وبعد أن تجلى كذبهم لا يستحون من ترديد الكذب نفسه ولكل قوم وارث، ولنكتف بإيراد كلام أشهر دعاة الكراهية .

وومن أشهر المحرضين على دعوة أهل السنة، أحمد زيني دحلان، والذي قال عنه الشيخ محمد منظور النعماني في كتابه (دعايات مكثفة ضد دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب): "أحمد زيني ألد أعداء الشيخ ودعوته". كان مفتيًا للدولة العثمانية حاملة لواء الدروشة والقبورية والعداء لمنهج السلف الصالح، ولا أدل على ذلك، من هدم الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه لثمانين قبة، بناها العثمانيون بمكة، وروجوا لها على طريقة الصوفية في تعلقهم بقبور الأولياء، ومنها قبة هدمها الملك بنوها على قبر أبي طالب، مع أنه مات على الشرك، وهذا من جهلهم وتلاعبهم بعقول المسلمين، وقبة أخرى على قبر عبدالمطلب، وقد أورد صورها الفوتوغرافية المؤرخ التركي إبراهيم رفعت باشا في كتابه مرآة الحرمين.

هذا المفتي عينته الدولة العثمانية البائدة بمكة، وحرضته على أهل السنة، فكان يرى ما يقع عند تلك القبور من انتهاك لحرمة التوحيد فيسكت بل يبرر ويدافع، ثم يوجه سهامه وأكاذيبه إلى أهل السنة، وقد جمعها في كتاب له سماه: خلاصة الكلام وطبع، فكان يوزع على حجاج بيت الله الحرام، زيادة في التلبيس والتضليل وإيذاء أهل السنة، وحتى تعلموا مبلغ علم القوم ومقدار فهومهم، فأنصتوا إلى بعض نصوص شيخ حملات الكراهية، لتعلموا أن تلامذته اليوم على طريقته سائرون،  صوفيهم وقبوريهم ورافضيهم وحركيهم وعلمانيهم وخارجيهم، تشابهت قلوبهم.

قال دحلان عن الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله وغفر له: "كان يضمر في نفسه دعوى النبوة، ولو أمكنه إظهار هذه  الدعوة لأظهرها". قلت: دحلان ولد بعد وفاة الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب بعشرين سنة تقريبا، فبالله عليكم كيف عرف ما كان يضمره في نفسه؟

وقال أيضا: "كان محمد بن عبدالوهاب يأمر بحلق رؤوس النساء اللاتي يتبعنه". قلت: وهذا كلام سخيف، كيف يصدر من رجل تصدر للدعوة والإفتاء؟

وذكر زيني في موضع آخر مناظرة علماء نجد، وقد قدموا في وفد رسمي، ذكر مناظرتهم لمشايخ الدولة العثمانية، وإظهارهم الحجج والبراهين، وكيف تعامل حاكم مكة العثماني مع علماء أهل السنة قال: "أمر –أي: الحاكم العثماني بمكة- قاضيَ الشرع أن يكتب  حجة بكفرهم، وأمر بسجن أولئك الملاحدة الأنذال، ووضعهم في السلاسل والأغلال، فسجن منهم جانبًا، وفرّ الباقون ووصلوا إلى الدرعية".

وكان من آثار ذلك التكفير الظالم، منع أهل نجد من الحج خمسين سنة، وكان بدْو هذا المنع عام ألف ومائة واثنين وستين، أي: بعد اتفاق الدرعية بخمس سنين، فيولد من يولد ويموت قبل أن تكتحل عينه برؤية بيت الله الحرام، وقضاء فريضة الحج، فانظروا رحمكم الله وغفر لكم، انظروا إلى خصوم الدعوة يكفروننا، ويلزمون القضاة بكتابة ذلك، ثم يدعون أننا نكفرهم، وأن محمد بن عبدالوهاب يكفر أهل التوحيد، واستمع إلى كذب زيني بعد أن ذكر تكفيره لأهل هذه الدعوة يقول: "وكان محمد بن عبدالوهاب يصرح بتكفير الأمة منذ ستمائة سنة، وكان يكفر كل من لا يتبعه". قلت: بل المكفر لأهل التوحيد هم خصوم هذه الدعوة كما تقدم النقل عنه.

وقال أيضا: "كان محمد بن عبدالوهاب ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا بعبارات مختلفة، حتى إن بعض أتباعه كان يقول: عصاي هذه خير من محمد". قلت: أصحاب هذه  الحملات لا يستحون من الكذب.

وزاد دحلان في الإفك فقال: "إنه –يعني: الإمام المجدد- يكره الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويتأذى بسماعها، ونسب إلى الإمام المجدد قوله: "إن الربابة في بيت الخاطئة –يعني: الزانية- أقل إثما ممن ينادي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم". قلت: سبحانك هذا بهتان عظيم.

وسعى دحلان لاستعطاف العوام بدعوى محبة النبي صلى الله عليه وسلم، فنسب إلى الإمام محمد بن عبدالوهاب وأنصار دعوته انتهاكهم حرمة الرسول صلى الله عليه وسلم، بارتكابهم أنواع التحقير لهم ولمن أحبه". قلت: وهذا أيضا بهتان عظيم وإفك مبين.

ومما يبين شيئًا من أخلاق دعاة  حملة الكراهية قول دحلان عن خطبة المسجد الحرام بعد دخول السعوديين إليها على يد الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود، وكانت تلك الخطبة في بيان التوحيد والتحذير من الشرك، قال دحلان: "صار –أي: الخطيب- يعلمهم دين رعاة الغنم". نعم، هذه أخلاق الدحلانيين،  افتراء وتلبيس واحتقار لعباد الله المؤمنين، ((يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً)).

معاشر الموحدين، إن الله يدافع عن الذين آمنوا، وإن الله قد يُنطق خصمك بما فيه مدحك، والحق  ما شهدت به الأعداء، قد سمعنا عظم الكذب والافتراء الذي كان ينشر بين المسلمين، وحجاج البيت الأمين، فما نهاية تلك الدعايات الباطلة؟ هل نجحت؟ وهل نفرت الناس من دعوة الحق؟ وهل كانت العاقبة لأهلها؟

أترك الحديث لدحلان نفسه ليبين نهاية الحملات الجائرة ضد دعوتنا السلفية، حيث قال في ختام أكاذيبه على الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب: "فآواه أهل الدرعية، وكان ممن تبعه وقبل منه محمد بن سعود أمير الدرعية، فصار يدعوهم إلى الدين فتابعوه، وكان محمد بن سعود  يمتثل أمره، فكان محمد بن عبدالوهاب معهم كالنبي في أمته، لا يتركون شيئا مما يقوله، ولا يفعلون شيئًا إلا بأمره، ويعظمونه غاية التعظيم، ويُبجّلونه غاية التبجيل، ومازال يطيعه حيّ بعد حيّ من أحياء العرب وقبائلها، فاتسع ملك محمد بن سعود وملك أولاده بعده، حتى ملكوا جزيرة العرب، وإذا أراد أن يغزو بلدة من البلدان كتب كتابا بقدر الخِنْصر فتجيبه العربان، وتلبي دعوته من كل مكان، ويتحملون عن أنفسهم كل ما يحتاجون إليه من مأكل ومشرب، وملبس ومركب، ولا يكلفونه بشيء، ويسيرون معه أينما سار، لا يستطيعون مخالفته في نقير ولا قطمير، فملك أولاً الشرق بأكمله، ثم إقليم الأحساء والبحرين، وعمان ومسكت، وقرب ملكه من بغداد والبصرة، هذه حده من الشمال، ثم رجع إلى الجنوب فملك الحِرار بأسرها، ثم الخُيوف ذوات النخيل، وملك الحربية والفُرع وجهينة، ثم ملك جميع ما بين مدينة النبي صلى الله عليه وسلم والشام، حتى قرب ملكه من الشام وحلب، وملك العربان الذين بين الشام وبغداد، وملك عربان المشرق والحجاز، والقبائل التي حول الطائف، ثم ملك الطائف وكذا القبائل التي حول مكة، ثم دخل مكة، ولم يبق أحد إلا صار من حزبه، وفي ثامن محرم يوم السبت، وصل سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود، فدخل محرما، فطاف وسعى ونحر من الإبل نحو المائة، وفي ثاني يوم نادى مناديه سكان البلد الحرام، بأن يجتمعوا في المسجد غدا ضحوة النهار، فاجتمعت الناس على طبقاتها، ثم أقبل سعود، وصعد بأعلى درج الصفا والناس أفواجا ينظرون إليه ويسمعون قوله، فحمد الله وأثنى عليه وقال: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأنجز وعده، وأعز جنده، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، الحمد لله الذي صدقنا وعده" ثم قال: "يا أهل مكة، أنتم جيران بيته آمنون بأمنه، وإنا كنا من أضعف العرب، ولما أراد الله ظهور هذا الدين، دعونا إليه، وكل يهزأ بنا ويقاتلنا عليه، وينهب مواشينا، ولم نزل ندعوا الناس للإسلام، وأطلب منكم أن تبايعوني على دين الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم" ثم قال لهم في غد: "اطلعوا للقبب واهدموها، فقالوا: سمعًا وطاعة، وتفرق الناس، فما أصبح الصباح إلا وهم سالحون بالمساحي لهدم القباب، فبادر الوهابيون –يعني: أهل السنة والتوحيد رضي الله عنهم وأرضاهم- ومعهم كثير من الناس فهدموا أولا ما في المعلا من القبب، فكانت كثيرة، فما مضى ثلاثة أيام إلا ومحوا تلك الآثار" . انتهى كلام دحلان مع شيء من الاختصار.

صدق ربنا وهو أصدق القائلين : ((ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز*الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)).


ما رأيكم في الموقع ؟