التشويق لذكر الله
   عدد المشاهدات : 6434

التشويق لذكر الله

       إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) ..(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً).... أما بعد .

   فيقول ربنا جلَّ وعلا مخاطباً عباده المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً* هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيما)  .

وقال جل جلاله وتقدست أسماؤه: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ).

يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بذكره ذكراً كثيراً، من تهليل وتحميد وتسبيح وتكبير وغير ذلك، من كلِّ قول فيه قُربة إلى الله، وأقلُّ ذلك أن يلازم المسلم أوراد الصباح والمساء، وأذكار أدبار الصلوات الخمس، وعند العوارض والأسباب .

وينبغي مداومة ذلك في جميع الأوقات وعلى جميع الأحوال، فإن المؤمن يسبق بها غيره وهو مستريح، وداع إلى محبة الله ومعرفته، ومُعين على الخير، وكفِّ اللسان عن الكلام القبيح، فيحصل لهم بذلك الوعد الذي هيأه الله لهم، مغفرة لذنوبهم، وأجراً عظيماً لفعلهم وهو الجنة.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:« يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» خرجاه في الصحيحين(1).

إنَّ ذكر الله عز وجل شفاء للصدور وبه تطمئن القلوب، يقول ربنا جل جلاله: ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).

يقول عبد الله بن بسر: «إن رجلا قال يا رسول الله: إن شرائع الإسلام كثرت عليَّ فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله» خرجه الترمذي وابن ماجه وصححه ابن حبان(2).

 ذكر الله كوصل للدرجات العُلى والنعيم المقيم، فهو من أيسر الأعمال وأعظمها أجرا ومثوبة، فقد روى أبو الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا: بلى، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: ذكر الله» خرجه الإمام أحمد وغيره(3).

فيا من عجز عن أعمال الخير : عليك بذكر الله ليلاً ونهاراً، سهراً وجهاراً، عليك بذكر الله قائماً وقاعداً وعلى جنبك، فقد حدَّث ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عجز منكم عن الليل أن يكابده، وبخل بالمال أن ينفقه، وجبن عن العدو أن يجاهده، فليكثر من ذكر الله تعالى» رواه الطبراني(4).

   إن ذكر الله منْجَاةٌ للعبد من الشيطان ووساوسه، لقول الحبيب المصطفي والخليل المجتبى محمد صلى الله عليه وسلم : «إن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن»فذكر الحديث وفيه «وآمركم بذكر الله كثيرا»(1)، ومثلُ ذلك : كمثل رجل طلبه العدو مسراعا في أثره حتى أتي حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه، وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله. الذاكرون الله أحياء وغيرهم أموات ولكن لا يشعرون، في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت»(2).

أهل الذكر هم السابقون إلى الخيرات في الدنيا، وإلى جنات النعيم يوم المعاد، قال أبو هريرة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له جمدان فقال:« سيروا هذا جمدان، سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» خرجه الإمام مسلم في صحيحه(3).

   فيا أهل الذكر.. أبشروا بغفران الذنوب والعتق من نار جهنم، فقد بشركم نبيكم عليه الصلاة والسلام برحمة الله ومغفرته، قال أنس  رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:« ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات» خرجه الإمام أحمد في مسنده(4)، وروى أيضا من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: يا رسول الله ما غنيمة مجالس الذكر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غنيمة مجالس الذكر الجنة»(5).

وفي الحديث أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: «عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين رجال ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغشى بياض وجوههم نظر الناظرين، يغبطهم النبيون والشهداء بمقعدهم وقربهم من الله عز وجل، قيل: يا رسول الله ومن هم؟، قال هم جماع أي أخلاط من نوازع القبائل يجتمعون على ذكر الله»رواه الطبراني(6).

    أهل الذكر يحبهم ربنا عز وجل وملائكته الكرام، فقد خرج الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده»(7).

فيا أيها الموفق المسدد : عليك بذكر الله، والزم مجالس الذكر مع أهل السنة السلفيين تفلح وتنعم بروضة من رياض الجنة، بهذا بشر نبيك محمد  صلى الله عليه وسلم ، قال أنس رضي الله عنه : إن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال:« إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر»خرجه الترمذي(8).

    فيا من غفل عن ذكر ربه عز وجل : احذر العاقبة وسوء المنقلب، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرك فقال: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة» أي نقصا وتبعة «فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم» رواه أبو داود والترمذي واللفظ له(1).

 وأعظم من ذلك ما ورد في لفظ أبي داود : أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: «من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كان عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضطجعا لا يذكر الله فيه كان عليه من الله ترة، وما مشى أحد ممشى لم يذكر الله فيه إلا كان عليه من الله ترة».

     الغفلة عن ذكر الله تورث الحسرة والندامة يوم القيامة، والغفلة عن ذكر الله تورث الحسرة يوم القيامة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : «ما من قوم يقومون عن مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان عليهم حسرة يوم القيامة» رواه أبو داود والحاكم(2).

يا أمة محمد  صلى الله عليه وسلم : أكثروا من كلمة التوحيد : لا اله إلا الله، فإنها أعظم الذكر كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد روى جابر  رضي الله عنه: إن الرسول  صلى الله عليه وسلم قال : «أفضل الذكر لا اله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله» رواه النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان(3)، هذه الكلمة هي مفتاح دار السلام، وهي كلمة التوحيد التي هي حق الله على العبيد، وهي أعظم ما يدخل المسلم الجنة، فأكثروا منها، وأبشروا بالعاقبة الحسنى والثواب الجزيل، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا اله إلا الله خالصا من قلبه»خرجه البخاري، وكان رسول الله  صلى الله عليه وسلم يحث على الإكثار منها، فقد خرج أبو يعلى من حديث أبي هريرة t مرفوعا «أكثروا من شهادة أن لا اله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها»(4)، وكان الأنبياء قبله يوصون بها، فقد روى عبد الله ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «ألا أخبركم بوصية نوح ابنه؟ قالوا بلى قال: أوْصَى نوح ابنه فقال لابنه: يا بني إني أوصيك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، أوصيك بقول لا اله إلا الله، فإنها لو وضعت في كفة ووضعت السماوات والأرض في كفة لرجحت بهن، ولو كانت حلقة لقصمتهن حتى تخلص إلى الله»رواه البزار وصححه العلامة الألباني(5).

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم : كان نبيكم يرغب في الكلم الطيب، ويحث عليه، يقول أبو هريرة  رضي الله عنه إن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس»خرَّجه مسلم، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد: أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله أكبر» خرجه الترمذي(6) والطبراني وزاد «ولا حول ولا قوة إلا بالله»، وقال الخليل المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: «من قال سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله أكبر غرس له بكل واحدة منهن شجرة في الجنة»خرجه الطبراني(7).

 كيف نغفل عن التهليل والتسبيح وذكر الله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن مما تذكرون من جلال الله، التسبيح والتهليل والتحميد ينعطفن حول العرش لهنَّ دوي كدويّ النحل تُذْكَر بصاحبها، أما يحب أحدكم أن يكون له أو لا يزال له من يُذَكَّر به»رواه ابن ماجه(1).

 ألا وإن من سنة نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم الاشتغال بذكر الله سبحانه وتعالى على كل حال، والبشارة لأهل الذكر بالنعيم المقيم في جنات عدن ومغفرة الذنوب، يقول النبي >: «إن الله يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مثل مد البصر ثم يقول أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا ربي، فيقول أفلك عذر؟ فيقول لا يا رب، فيقول الله تعالى بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم، قال صلى الله عليه وسلم: فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تُظلم، وتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء» خرجه الترمذي وابن ماجه وصححه ابن حبان(2)

 



(1) البخاري ( 6970) ، مسلم ( 2675) .

(2) الترمذي (3375) ،وابن ماجة (3793) ،وابن حبان (814) , والحاكم (1822) وصححه ،وصححه العلامة الألباني كما في صحيح الجامع (7700) .

(3) أحمد (5/195) ،والترمذي(3377) ،وابن ماجة (3790)، والحاكم (1825) وصححه ،وانظر صحيح الجامع (2629) .

(4) في الكبير (11/84)، وصححه الإمام الألباني : في "صحيح الترغيب" (2/96) .

(1) رواه أحمد (4/130)، والترمذي (2863) ،والحاكم (1534) وصححه ، وكذا الألباني في" صحيح الترغيب"(1/ 132) .

(2) البخاري (6044) ،ومسلم (779) .


ما رأيكم في الموقع ؟