خطبة عيد الفطر
   عدد المشاهدات : 9829

خطبة عيد الفطر

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

معاشر المؤمنين: إن لله تبارك وتعالى على عباده نعما عظيمة، أجلها الهداية إلى دين الإسلام، وبيان معالمه وأركانه.

معاشر المؤمنين: إن من نعم الله تبارك وتعالى على عباده تمام عدة شهر رمضان، والتي ذكرها الله عز وجل نعمة على عباده فقال: ((وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ))[البقرة:185]، صيام شهر رمضان نعمة ومنة من الواحد الديان تبارك وتعالى، يترتب عليه الأجر العظيم، كما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) وكما قال صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

معاشر المؤمنين، مما يشرع بعد ختام هذا الشهر الكريم: التكبير كما تقدم في الآية الكريمة، وحمد الله تبارك وتعالى على ما يسر من صيام وقيام ودعاء، فإن ذلك نعمة من الله عز وجل.

ومن ذلك: زكاة الفطر، فإن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فرضها على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد من المسلمين، وأمر بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن تؤدى قبل صلاة العيد، فمن أداها بعد صلاة العيد فهي صدقة من الصدقات، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤدونها قبل العيد بيوم أو يومين.

ومما يشرع بعد ختام هذا الشهر: صلاة العيد، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالخروج إليها حتى أمر النساء بالخروج إليها، وكانت الحائض تخرج إليها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تشهد الخير ودعوة المسلمين، وتجتنب المصلى.

ومما يشرع ويباح في ذلك اليوم: إظهار الفرح والسرور وإباحة اللعب فيه، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الله قد أبدلهم بهما يومين: عيد الفطر وعيد الأضحى، ولما دخل بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم وعند عائشة رضي الله عنها جاريتان تغنيان بغناء بُعاث، أنكر ذلك وقال: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكان ذلك في يوم عيد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعهما لتعلم يهود أن في ديننا فسحة) فالله عز وجل قد جعل لعباده فسحة في هذا اليوم، وكانت الحبشة يلعبون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحراب وكان نبينا صلى الله عليه وسلم ينظر إلى لعبهم هذا، وكان يعرض على عائشة رضي الله عنها ذلك، فترغب في النظر إليها فيسير إليهم، فيسترها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى أهل الإسلام أن يرضوا بسنة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وألا يكون في النفوس شيء من الحرج لهذا الترخيص النبوي الكريم.

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

معاشر المؤمنين، إن من أهم قضايا المسلم بعد شهر رمضان: قضية الثبات على الصراط المستقيم، وذلك أن الله تبارك وتعالى منّ على عباده بالصيام والقيام والتقرب إليه، فمن الغَبن أن ينحرف المسلم ويزيغ قلبه بعد هذه العبادات، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) متفق عليه. وربما سلك الرجل أيضا أولا بعض سبل الشيطان ثم تدركه السعادة فينشرح صدره للإيمان، ((أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ))[الأنعام:53] ((ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ))[المائدة:54] فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ((يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ))[إبراهيم:27]، فنسأل الله تبارك وتعالى حسن الختام.

معاشر المؤمنين: لا يُوفق للخاتمة الحسنة ولا يثبت على الصراط المستقيم إلا أهل الإيمان والصبر على طاعة الرحيم الرحمن، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (لا تعجبوا بعمل عامل حتى تنظروا بم يختم له) خرجه الطبراني، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالخواتيم) إن بعض الناس يوهم نفسه بأنه قد جاز القنطرة ووصل إلى بر الأمان، فأمن من الضلالة وسبل الردى، وهذا هو أول أمارات ضعف الإيمان والغرور والعجب، فإن الله قد أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه محتاج لتوفيق ربه وتثبيته، قال الله عز وجل مخاطبا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم: ((وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً))[الإسراء:74]، وقال تعالى في آية أخرى: ((وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ))[النساء:113] وإبراهيم عليه السلام الذي كسر الأصنام وصبر في ذات الله تبارك وتعالى إمام الحنفاء، يقول معترفا بفقره وحاجته إلى ربه عز وجل: ((وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ))[إبراهيم:35] ويوسف نبي الله عليه السلام لما دعي إلى الفاحشة ((قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ))[يوسف:33]، فهو مؤمن أنه لا حول ولا قوة له إلا بالله الواحد القهار، وفي سنة نبينا صلى الله عليه وسلم التأكيد العظيم على أن قضية الهداية بيد الله تبارك وتعالى، فليلجأ العبد إلى ربه عز وجل، عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لقلب ابن آدم أشد تقلبا من القِدر إذا استجمعت غليانا) رواه أحمد والحاكم، وقال صلى الله عليه وسلم: (مثل القلب مثل الريشة تقلبها الريح بفلاة) رواه أحمد وابن ماجه، فنسأل الله تبارك وتعالى الثبات على الصراط المستقيم، ونسأله الخاتمة الحسنى.

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على النبي الكريم وآله وسلم تسليما كثيرا.

معاشر المؤمنين، ما أسباب تقلب هذا القلب وانتقاله من الهداية إلى الضلالة، ومن الطاعة إلى المعصية، عرف الحق فلم يصبر عليه فعاد شرا مما كان، إن لذلك أسبابا منها:

أولا: الاستهانة بالذنوب والمعاصي، قال الله عز وجل: ((وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ))[النور:15] يقول أنس رضي الله عنه: "إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات"، قال عبدالعزيز بن أبي رَوّاد: "حضرت رجلا عند الموت يلقن لا إله إلا الله، فقال آخر ما قال: هو كافر بهذه الكلمة ومات على ذلك، قال: فسألت عنه فإذا هو مدمن خمر، فكان عبدالعزيز يقول: اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته"، الاستهانة بالذنوب مدعاة لزيادة الإثم والسيئات، وهي تشعر العبد بأنه غير محتاج إلى التوبة والإنابة إلى الله تبارك وتعالى، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى تهلكنه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلا كقوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادا وأججوا نارا وأنضجوا ما قذفوه فيها) رواه أحمد وحسنه الحافظ.

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

معاشر المؤمنين، ومن أسباب الضلالة بعد الهدى: التعلق بالدنيا والانصراف عن الدار الآخرة، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم) خرجاه في الصحيحين، ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) من الناس من كان يمني نفسه بالبذل في سبيل الله إن رزقه الله مالا، فما لبث أن كان ذلك المال سببا في نفاقه ومرض قلبه، ((وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ))[التوبة:75-77].

فاللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وتوفنا وأنت راض عنا غير غضبان.

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على النبي الكريم وآله وسلم تسليما كثيرا.

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

معاشر المؤمنين، من أسباب النكوص عن طريق الهداية: الغلو، فإن النفس حين تجنح بصاحبها نحو الغلو، فيشدد المرء على نفسه حيث يسر الله عليه، فقد يطيق السير على هذا الطريق برهة من الزمن، لكنه حتما سيكل ويَمَل ويستطيل الطريق، حينها قد يتراجع عن طريق الهداية، فتراه ينتقل من هذا الطرف إلى هذا الطرف المقابل، من قمة الغلو والتشدد إلى التساهل والتفريط، قال العلامة ابن سعدي: "من شدد على نفسه، فلم يكتف بما اكتفى به النبي صلى الله عليه وسلم ولا بما علمه للأمة وأرشدهم إليه، بل غلا وأوغل في العبادات، فإن الدين يغلبه، وآخر أمره العجز والانقطاع.

ومن أسباب النقوص عن طريق الهداية: الصديق والصاحب، لقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

معاشر المؤمنين، سلوا الله حسن الختام والثبات على الصراط المستقيم.

من وسائل الثبات على طريق الهداية: الحرص على زيادة الإيمان وتجديده، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (إن الإيمان ليَخْلَق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) خرجه الحاكم، كان معاذ يقول: "اجلسوا بنا نؤمن ساعة" يعني: نذكر الله تبارك وتعالى.

ومن ذلك: الخوف من سوء الخاتمة، نقل عن سفيان الثوري رحمه الله أنه بكى ليلة إلى الصباح فقيل له: "أبكاؤك هذا من الذنوب؟ فأخذ تِبنة من الأرض فقال: الذنوب أهون من هذه، إنما أبكي خوفا من سوء الخاتمة"، وقال بعضهم: "إذا سمعت بحال الكفار وخلودهم في النار فلا تأمن على نفسك من تلك الحالة، فإنك لا تدري عن العاقبة".

ومن ذلك: الدعاء، فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يسأل ربه الهداية والثبات على دينه، ومن ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت".

ومن أسباب الثبات على طريق الهداية: العناية بالمواعظ والرقائق، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة في الأيام، قال العرباض بن سارية: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب"، فليأخذ المسلم بنصيبه من المواعظ التي ترقق القلوب وتزيد الإيمان، وليكثر من ذكر الموت والقبر والجنة والنار، لقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) يعني: الموت.

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله وسلم وبارك على النبي محمد.

مما ينبه عليه في هذا اليوم المبارك يوم الفرح والسرور لأهل الإسلام: أن بعض الناس يشككون في هذا الفرح أو يتحرجون منه ويقولون: كيف نفرح ونلعب وإخواننا المسلمون يقتلون في بعض الأماكن ويؤذون ويضيق عليهم؟ والرد على هذا: أن الله تبارك وتعالى حكيم عليم، قد شرع لعباده الفسحة في هذا اليوم المبارك لأن النفوس تحتاج إلى ذلك، وإخواننا ننصرهم بما نستطيع من دعاء أو غير ذلك، ونبينا صلى الله عليه وسلم قتل من أصحابه من قتل في أحد وغيرها، وأسر من أسر وضيق على من ضيق في مكة وغيرها، ومع ذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم يشرع لأهل الإسلام ما فيه مصلحتهم ونفعهم في الدنيا والآخرة، ((سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ))[البقرة:285].

اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام...


ما رأيكم في الموقع ؟