بين المزامير .. ورضاع الكبير
   عدد المشاهدات : 4169

بين المزامير .. ورضاع الكبير

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)) ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)).

 أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

معاشر المؤمنين: يقول ربنا جل جلاله: ((وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)) . ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين).

الفقه في الدين نعمة من الله تبارك وتعالى على العبد، ((يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)) ، والفقه في الدين عصمة من الفتن .

والفقه والعلم قال الله قال رسوله  ***  قال الصحابة هم ألوا العرفان

ما الفقه نصبك للخلاف سفاهة  ***  بين الرسول وبين قول فلان

والفقيه : هو العالم بالأحكام الشرعية الفرعية، المأخوذة من أدلتها التفصيلية، الفقيه مقامه في الإسلام عظيم، إذ العلماء ورثة الأنبياء، ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ))، الفقيه هو المعلم وهو المفتي وهو الداعي إلى الله تبارك وتعالى، وهو القاضي.

والفقيه معاشر المؤمنين ليس بمعصوم وإنما هو مجتهد، إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، وما على المحسنين من سبيل، والله غفور رحيم، ولكن لا يجوز لك اتباع فقيه أو متصدر للفتيا فيما زل فيه وأنكر عليه، لمخالفته أدلة الكتاب والسنة، وليس لك عند الله حجة إن اتبعته على خطأ فتياه مراعاة لهوى نفسك، ولا ينفعك قول الأغرار: اجعل فقيها بينك وبين النار، وذلك أن العلماء الناصحين حذروا من اتباع زلات الفقهاء وقالوا: "من تتبع زلات الفقهاء تزندق" وقد قال صلى الله عليه وسلم: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس).

نعم .. إن من نعمة الله تبارك وتعالى على المسلمين تصدر جماعة من فقهاء أهل السنة في وسائل الإعلام يرشدون العامة ويفتونهم فيما يعرض لهم من مسائل، فنفع الله عز وجل بهم كثيرا، والأمة بحاجة إلى أضعاف أضعاف هؤلاء الفقهاء، مع كثرة السائلين لتيسر وسائل الاتصال.

ومما لا يخفى على شريف علمكم : أن المتصدر لإرشاد العامة وتفقيههم قد يغلط وقد يهم وقد يزل، وقد يبتلى بمرضى النفوس المتربصين بالفقهاء المتتبعين عثراتهم، بل قد يبتلى بذوي التوجهات المنحرفة المائلة إلى طريقة الخوارج، همهم إسقاط كل فقيه يحذر من ضلالات الغلاة ويكشف تلبيسهم على العامة في مسائل الجهاد والتكفير والخروج على ولاة الأمور ونحوها، وإلا فبالله عليكم، لماذا تستعدى العامة على ذاك الفقيه دون غيره مع أن غيره يقول بمثل قوله؟! لا شك أن وراء الأكمة ما وراءها، لا شك أن ذوي التوجهات المنحرفة يسعون للحط من قدر كل فقيه لا يسير على طريقتهم أو لا يسالمهم، فليس همهم معاشر العامة تلك المسائل الفقهية، لا، بل همهم صرفكم عن فقيه يعرف ألاعيب الجماعات والتنظيمات المنحرفة عن جادة أهل السنة، وتذكروا ما فعله الغلاة حينما أفتى فقهاؤنا في هيئة كبار العلماء بجواز الاستعانة بالقوات الأجنبية لحماية بلادنا ورفع الظلم عن جيراننا، وتذكروا ما واجه به الخوارج فتيا فقهائنا مفتي الديار وغيره، باستنكار تفجير برجي التجارة، إنها والله حملة تشويه، ودعاية مغرضة، وجناية على فقهائنا من أهل السنة، إنها أيدٍ خفية، علمانية أو خارجية، تستغل المسائل الفقهية لإسقاط الفقهاء، وصرف العامة عنهم، كفى الله شرها، وسلم فقهاء الأمة.

ولا يعني هذا .. أنه ليس هناك من يتصدر للفتيا وليس بفقيه، نعم، يوجد من هو كذلك، ومن الأمثلة على تصدر غير الفقهاء للفتيا، ما ورد في العدد الخامس من مجلة تصدرها جماعة تزعم أنها كبرى الجماعات الإسلامية، وأنها تسعى لإعادة الخلافة، تحت شعار نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، ورد في مجلتهم مقال عنوانه: "الموسيقى الإسلامية" جاء فيه بعد مدح عباقرة الموسيقى الغربيين ما نصه: "وما أحوجنا إلى داعية من نوع جديد، سوف يكون فتحا في عالم الموسيقى وتقدما عالميا لها، وحين إذن يبرز لون فريد يسيطر على أفئدة العالم، هو الموسيقى الإسلامية" انتهى كلامهم.

هذا والله معاشر المؤمنين استحلال من تلك الجماعات لما حرم الله تبارك وتعالى من الموسيقى والمعازف، بل قد دعوا إليها بل سموها موسيقى إسلامية، وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذا الاستحلال بقوله: (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف). قال العلامة الألباني عن أسلمة هؤلاء الحركيين للمعازف والموسيقى المحرمة: "وإني لأخشى أن يزداد الأمر شدة، فينسى الناس هذا الحكم حتى إذا ما قام أحد ببيانه أنكر ذلك عليه، ونسب إلى التشدد والرجعية، كما جاء عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيه الكبير ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت قالوا: غيرت السنة، قيل: متى ذاك يا أبا عبدالرحمن؟ قال: إذا كثرت قراؤكم وقلت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين" رواه الدارمي والحاكم بسند صحيح.

اعلم أيها المؤمن الموفق المسدد : أن الأحاديث النبوية الواردة في تحريم الغناء كثيرة، جاوز عددها العشرة عند ابن القيم رحمه الله، وعليها اعتمد أئمة الإسلام في تحريم الغناء وآلات الطرب، فاستمع وأنصت لأحاديث نبيك صلوات ربي وسلامه عليه، وتذكر قول ربنا جل جلاله: ((فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً))، وقوله عز وجل: ((فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)).

أما الحديث النبوي الأول : فعن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، ينوح عليهم بسارحة لهم يأتيهم بحاجة –أي: يأتيهم طالب حاجة- فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيّتهم الله عز وجل، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الاستقامة عن هذا الحديث: "والآلات الملهية قد صح فيها ما رواه البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به داخلا في شرطه"، قال الألباني: "وقد جاء موصولا من طرق جماعة من الثقات الحفاظ". والشاهد من الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (يستحلون المعازف) قال في القاموس: "المعازف هي الملاهي كالعود والطُنبور" وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان: "المعازف هي آلات اللهو كلها لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك"، وقال الإمام الذهبي في السير: "المعازف اسم لكل آلات الملاهي التي يعزف بها، كالمزمار والطنبور والصنوج"، قال ابن القيم غفر الله له عن هذا الحديث: "ولم يصنع من قدح في صحة هذا الحديث شيئا كابن حزم نصرة لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي"، وقال ابن الصلاح في مقدمة علوم الحديث: "والحديث صحيح، معروف الاتصال بشرط الصحيح". وعلى كل حال، فهذا الحديث النبوي صححه الأئمة على مرّ العصور، منهم: البخاري وابن حبان والإسماعيلي وابن الصلاح والنووي وابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن حجر العسقلاني وابن الوزير الصنعاني والسخاوي والأمير الصنعاني، قال العلامة الألباني رحمه الله: "فهل يدخل في عقل مسلم أن يكون المخالفون كابن حزم ومن جرى خلفه وليس فيهم مختص في علم الحديث، هل يعقل أن يكون هؤلاء على صواب وأولئك الأئمة على خطأ، ((هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ))[الزمر:9].

الحديث الثاني في تحريم الغناء وآلات الطرب : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة، مزمار عند نعمة، ورنة عند مصيبة) أخرجه البزار والضياء المقدسي في المختارة، قال المنذري والهيثمي: "ورجاله ثقات"، قال الألباني: "فالإسناد حسن بل صحيح"، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الاستقامة: "هذا الحديث من أجود ما يحتج به على تحريم الغناء، قال: والصوت الذي عند النعمة هو صوت الغناء".

الحديث الثالث في تحريم الغناء وآلات الطرب : عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل حرم الخمر والميسر والكوبة) رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند، وكذلك صححه الشيخ الألباني، وقوله: (إن الله حرم الكوبة) قال علي راوي الحديث: "الكوبة: الطبل".

الحديث الرابع :  عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وله طرق أوردها الألباني في كتابه تحريم آلات الطرب وقال: "وعلى هذا فالحديث حسن لذاته، أو على الأقل حسن لغيره، بل هو صحيح بما تقدم ويأتي".

الحديث الخامس : عن قيس بن سعد رضي الله عنه –وكان صاحب راية النبي صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه قال: (إن ربي حرم علي الخمر والميسر والكوبة، والكوبة الطبل) أخرجه الطبراني في الكبير والبيهقي في سننه، قال العلامة الألباني: "إسناده حسن ورجاله ثقات"، وقد أشار الإمام أحمد إلى صحة هذه الأحاديث، فقد روى الخلال في كتابه الأمر بالمعروف عن الإمام أحمد أنه قال: "وأكره الطبل وهي الكوبة، نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم".

الحديث السادس : عن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يكون في أمتي قذف ومسخ وخسف، قيل: يا رسول الله ومتى ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إذا ظهرت المعازف وكثرت القيان وشربت الخمور) أخرجه الترمذي وغيره، وأورده الألباني في تحريم آلات الطرب ضمن الأحاديث الصحيحة في الباب، وقوله في الحديث: (وكثرت القيان) القيان: جمع قينة، وهي المغنية من الإماء.

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إن الأحاديث المتقدمة صريحة الدلالة على تحريم آلات الطرب بجميع أشكالها وأنواعها، نصا على بعضها كالمزمار والطبل، أو لدخولها في عموم تحريم المعازف، وتقدم قول ابن القيم رحمه الله: "إن لفظ المعازف يشمل آلات اللهو كلها" وعلى هذا فَهْم الصحابة، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الدف حرام والمعازف حرام والكوبة حرام والمزمار حرام" أخرجه البيهقي، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "الغناء ينبت النفاق في القلب"، قال الشعبي رحمه الله: "إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع، وإن الذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع" أخرجه ابن نصر في كتاب قدر الصلاة، وقال الألباني: "إسناده حسن".

ومما يدل على أن السلف رضي الله عنهم وأرضاهم فهموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم المعازف، وأن الساعي إلى إشهارها يستحق التعزير والتشهير : ما رواه الإمام الأوزاعي قال: "كتب عمر بن عبدالعزيز إلى عمر بن الوليد  كتابا فيه: وإظهارك المعازف والمزمار بدعة في الإسلام، ولقد هممت أن أبعث إليك من يجز جُمتك جمة سوء" أخرجه النسائي في سننه، وصحح الألباني إسناده.

تأملوا قول نبيكم صلوات ربي وسلامه عليه في هؤلاء المخالفين: (يستحلون يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) قال العلامة القاري: "والمعنى: يعدون هذه المحرمات حلالات، بإيراد شبه وأدلة واهيات"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه إبطال التحليل: "واستحلالهم المعازف باعتقادهم أنها آلات لهم مجرد سماع صوت فيه لذة، وهذا لا يحرم كألحان الطيور" رحم الله ابن تيمية فإن محلي الغناء في زماننا قد وقعوا فيما ذكره، فزعموا تحليلها قياسا على أصوات الطيور والعصافير، مع ثبوت الأدلة في تحريم المعازف، وتحذيره صلى الله عليه وسلم ممن يحلها بهذه المقاييس الباطلة.

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لقد أخذ علماء السلف والخلف بهذه الأحاديث النبوية، فحرموا الغناء وآلات الطرب، ومشايخنا المعاصرون بحمد الله على طريق سلفهم الصالح سائرون، وللدليل متبعون، فقد ذهب الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعلى مذاهب هؤلاء وفقههم يعتمد أهل الإسلام اليوم، ذهب هؤلاء العلماء إلى تحريم الغناء، ولذلك لما نسب ابن المطهَّر الرافضي إلى أهل السنة إباحة الملاهي والغناء، كذبه شيخ الإسلام ابن تيمية في رده عليه في منهاج السنة فقال: "هذا من الكذب على الأئمة الأربعة، فإنهم متفقون على تحريم المعازف التي هي آلات اللهو كالعود ونحوه" انتهى كلامه رحمه الله. روى عيسى الطباع رحمه الله قال: "سألت مالك بن أنس عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق" رواه أبو بكر الخلال في كتاب الأمر بالمعروف، وقال الألباني: "إسناده حسن"، وقد نسب بعض الكتبة إلى بعض السابقين إباحة الغناء، وهذه الأقوال كما قال الألباني رحمه الله: "غالبها معلقة لا سنام لها ولا خطام، وبعضها قد صح عن بعضهم خلاف، وبعضها مشكوك في لفظه" ثم فصّل في ذلك، وأورد عن بعضهم بالسند الصحيح تحريمه الغناء خلافا لما نسب إليه من إباحة، ثم قال العلامة الألباني رحمه الله وغفر له: "والخلاصة أن العلماء والفقهاء وفيهم الأئمة الأربعة متفقون على تحريم آلات الطرب اتباعا للأحاديث النبوية والآثار السلفية، وإن صح عن بعضهم خلافه فهو محجوج بما ذكر، والله تبارك وتعالى يقول: ((فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)) ". وقد نقل ابن الجوزي غفر الله له في تلبس إبليس عن الإمام الطبري قوله: "وقد أجمع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه، وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبيدالله العنبري، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية)" انتهى كلامه رحمه الله.

معاشر المؤمنين .. يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ما حرم الله الغناء والمعازف إلا لحكمة، ولقد وردت آثار كثيرة عن السلف من الصحابة وغيرهم تدل على حكمة التحريم، وهي أنها تلهي عن ذكر الله وطاعته والقيام بما أوجب، مقتبسين ذلك من تسمية الله إياه بلهو الحديث، في قول ربنا جل جلاله: ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ)) .. وأنها نزلت في الغناء ونحوه، وممن ثبت عنه ذلك على ما ذكره الشيخ الألباني في تحريم آلات الطرب: ابن عباس ترجمان القرآن رضي الله عنه وأرضاه، فقد قال في الآية الكريمة: "نزلت في الغناء وأشباهه" أخرجه البخاري في الأدب المفرد. ومنهم عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، فقد سئل عن الآية المذكورة فقال: "هو الغناء والذي لا إله إلا هو، هو الغناء والذي لا إله إلا هو، هو الغناء والذي لا إله إلا هو" خرجه البيهقي والحاكم وصححه ابن القيم. ومنهم عكرمة، قال شعيب بن يسار: "سألت عكرمة عن لهو الحديث فقال: هو الغناء" أخرجه ابن جرير والبيهقي، قال الألباني: "إسناده حسن"، ولهذا قال الواحدي في تفسيره الوسيط: "أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء، قال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن". ألا فليعلم أن الآية: ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)) ليست خاصة بالكافر بل قد يدخل فيها المسلم المشتغل بالمعازف، قال العلامة ابن عطية الأندلسي في تفسيره المحرر الوجيز: "والآية باقية المعنى في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن ليس ليضلوا عن سبيل الله بكفر ولا يتخذوا الآيات هزوا، بل ليعطل عبادته ويقطع زمانا بمكروه، وليكون من جملة العصاة والنفوس الناقصة" انتهى كلامه رحمه الله وغفر له.

والمبيحون للغناء والمعازف لهم شبه بيّن العلماء بطلانها ولله الحمد والمنة :

فمن ذلك : زعمهم أنه لم يرد دليل صحيح في تحريم الغناء وآلات الطرب، وتقدم بحمد الله ذكر ستة أحاديث صحيحة، وكذلك آثار السلف غفر الله لهم، فمن ينكر تلك الأحاديث والآثار الصحيحة مكابر أو جاهل.

ومن ذلك : احتجاجهم بأن بعض الناس أحل الغناء، والعبرة إنما هي بالدليل، وقد صحت الأحاديث بتحريم المعازف مع أن نسبة الغناء لأولئك الأخيار لم ترد بالسند الصحيح، بل قد ثبت عن جماعة منهم تحريمه، وبعضهم قد يقصد بالغناء الحُداء المباح، فيظن من لا علم عنده أنه يبيح المعازف.

ومن ذلك : احتجاجهم بأن سماع آلات الطرب كسماع أصوات الطيور والعصافير، وهذا استدلال بارد وقياس سَمِج، إذ كيف تُعارض الأحاديث الصحيحة المحرمة للمعازف بهذا الهذيان؟ وهل هذا إلا من تقديم العقل على النقل، ولقد ذم الله تبارك وتعالى من سووا بين الحلال والحرام فقالوا: ((إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)) قال الله جل وعلا: ((وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) فكذلك أصوات الطيور أحل الله سماعها، فلا يعني إباحة سماع المعازف المحرمة بالنصوص.

ومن شبهاتهم : الاحتجاج بحديث عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها جاريتان تتدففان وتضربان تغنيان بغناء بُعاث، وليستا بمغنيتين، قالت: فاضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه فقال: دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا) فاحتج به هؤلاء على إباحة الغناء وآلات اللهو مطلقا بأي آلة وفي كل وقت ولكل أحد، والحق أن الحديث فيه إباحة الضرب بالدف دون غيره من آلات الطرب، وفي يوم العيد دون غيره للجواري، ليعلم أن في ديننا فسحة، ولهذا أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر تسميته مزمار الشيطان، لكنه بيّن له إباحته يوم العيد للمصلحة، وبالله عليكم، من الذي أعلم أبا بكر أن هذه المعازف مزمار الشيطان وعمن تلقى ذلك؟ لا شك أنه أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحديث حجة على المبيحين لا لهم، ومشايخنا بحمد الله عز وجل يبيحون مثل هذا يوم العيد ويبيحون الدف في العرس أيضا للحديث.

وأما حديث ابن عمر في زمارة الراعي : فإنه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن ابن عمر لم يكن يستمع وإنما كان يسمع، وهذا لا إثم فيه، قال: والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع، كما في الرؤية للمرأة الأجنبية، فإنه إنما يتعلق بقصد الرؤية لا ما يحصل منها بغير الاختيار" انتهى كلامه، مع أنه يحتمل أن ذلك كان قبل تحريم الغناء.

ومن شبهاتهم : إيراد ثناء بعض الكتاب على المغنين، وهذا لا دليل فيه، لأن من أثنى على أولئك المغنين إما أديب جاهل بالشرع أو صاحب غناء يمدح أصحابه، وأما فقهاء الملة فقد ذموا المغنين، يقول ابن الجوزي رحمه الله في تلبيس إبليس:" قال الفقهاء من أصحابنا الحنابلة: لا تقبل شهادة المغني".

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الغناء على أنواع :

فإن كان بآلة فهو محرم كما دلت على ذلك الأحاديث، إلا الدف في العرس والعيد وزاد بعض أهل العلم قدوم الغائب للحديث، ولهم في ذلك تفصيلات>

وإن كان الغناء بدون آلة فهذا كما قال الشيخ الألباني رحمه الله: "لا يصح إطلاق القول بتحريمه كما لا يصح إطلاق القول بإباحته، ثم قال: الآثار ظاهرة على جواز الغناء بدون آلة في بعض المناسبات، كالشوق إلى الأهل والوطن، أو للترويح عن النفس، والالتهاء من وعثاء السفر ومشقته ونحو ذلك، مما لا يتخذ مهنة، ولا يخرج عن حد الاعتدال، فلا يقترن به القراب والتثني، والضرب بالرجل مما يخل بالمروءة" انتهى كلامه، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاد يقال له أنجشة، قال الإمام الشافعي: "أما استماع الحُداء ونشيد الأعراب فلا بأس به" انتهى كلامه، وهذا كما يفعله أهل الحرف والفلاحة، من الإنشاد حين العمل، على طريقة ساذجة، ليس فيها تشبه بألحان أهل الموسيقى، هذا الذي أجازه أهل العلم.

معاشر المؤمنين، يقول ربنا جل جلاله: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)) .

من الغناء المحرم: الغناء الصوفي، وذلك أنهم يتقربون إلى الله تبارك وتعالى بأناشيدهم الدينية بدف وبدونه، زاعمين ترقيق القلوب، ودعوة العصاة إلى الله عز وجل، وقد يرددون ذكر الله سبحانه وتعالى على إيقاعات الدفوف، وبطرق مبتدعة، كقولهم: حي حي أو الله الله، أو هو هو، ولا يخفى على عالم أن هذا الغناء الديني محدث، ما عرفه السلف الصالح، فليس لمسلم أن يتقرب إلى الله تبارك وتعالى ببدعة محدثة، ولقد شابه هؤلاء، المشركين الذين قال الله فيهم: ((وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً)) والمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، ولقد اشتد إنكار العلماء عليهم قديما وحديثا، يقول الإمام الشافعي رحمه الله: "تركت بالعراق شيئا يقال له التغبير، أحدثته الزنادقة، يصدون الناس عن القرآن" وسئل أحمد عنه فقال: "بدعة" والتغبير كما قال ابن القيم وغيره: "شعر يزهد في الدنيا، يغني به مغن، فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على مِطع أو مخدة على توقيع غنائه" قال شيخ الإسلام ابن تيمية غفر الله له:"وقد عرف بالاضطرار من دين الإسلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشرع لصالح أمته وعبادهم وزهادهم أن يجتمعوا على استماع الأبيات الملحنة، مع ضرب بالكف أو ضرب بالقضيب أو الدف، وقال عن هذا السماع: لا يجلب للقلوب منفعة ولا مصلحة إلا وفي ضمن ذلك من الضرر والمفسدة ما هو أعظم منه، فهو للروح كالخمر للجسد".

ومما انتشر في زماننا وخصص له قنوات فضائية ما يسمى بالأناشيد الدينية أو الإسلامية، فم


ما رأيكم في الموقع ؟