حي على جنات عدن
   عدد المشاهدات : 4898

حي على جنـــات عدن

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد  أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)) ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)). أما بعد :

فيا أيها الغافل المغرور بما هو فيه من شواغب هذه الدنيا الفانية المشرفة على الانقطاع والزوال، دع التفكير فيما أنت مرتحل عنه، واصرف الفكر إلى موردك، فإنك أخبرت بأن النار مورد الجميع إذ قيل: ((وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً).

فأنت من الورود على جهنم على يقين، ومن النجاة في شك، فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد، فعساك تستعد للنجاة منه، وتأمل في حال الخلائق وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا، فبينما هم في كربها وأهوالها، وقوفا ينتظرون حقيقة أمثالها، وتشفيع شفعائها، إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب، وأطلت عليهم نار ذات لهب، وسمعوا لها زفيرا وجرجرة، ((وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ)) .

يجاء يوم القيامة بجهنم ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، وهي في غيظ وحنق على المجرمين، ((إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً))، فعند ذلك يوقن المجرمون بالهلاك والعطب، وتجثوا الأمم على الركب، وتسوق زبانيتها من أمروا بأخذه، ((يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً))[الطور:13] يحشر الواحد منهم على أقبح صورة، ((وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً))، ((عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ))، ليس في قلوبهم مودة ولا رحمة لمن عصى ربه وتجبر، ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ))، أسكنوا والله دارا ضيقة الأرجاء، مظلمة المكان، أهلها في عذاب وشقاء، شرابهم فيها الحميم، ومستقرهم الجحيم، الزبانية تقمعهم، والهاوية تجمعهم، أمانيهم فيها الهلاك، وما لهم فيها من فكاك، قد شدت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي، ينادون من أرجائها، ويصيحون في نواحيها وأطرافها، ((وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)) فعند ذلك يزدادون حزنا إلى حزنهم، وغما إلى غمهم، يدعون على أنفسهم بالهلاك، ((إِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً)).

روى الترمذي من حديث عتبة بن غزوان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الصخرة العظيمة لتُلقى من شفير جهنم، فتهوي فيها سبعين عاما وما تفضي إلى قرارها" قال ربنا جل جلاله وتقدست أسماؤه: ((وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ)) .

قال أبو هريرة رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم)" خرجه الإمام البخاري .

قال ربنا سبحانه وتعالى في وصف أهلها وشرابهم: ((لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ)) ، والضريع: نوع من الشوك خفيف الطعن .

قال ربنا سبحانه وتعالى: ((إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً))[المزمل:12-13]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "((وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ)) أي: شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج"، قال ربنا عز وجل: ((ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ * فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ)).

لقد وصف الله سبحانه وتعالى شجرة الزقوم فقال: ((أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ)) ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) ثم قال: (لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه) خرجه الترمذي .

يقول الله سبحانه وتعالى: ((فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ)) ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الغسلين: الدم والماء والصديد الذي يسيل من لحوم أهل النار"، ((وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ))، وقال ربنا عز وجل: ((وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ))، والحميم: هو الماء الحار المغلي بنار جهنم، يذاب بهذا الحميم ما في بطونهم، وتسيل به أمعاؤهم، وتتناثر جلودهم، ((يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)). ينالهم هم وغم وعطش، ((وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً)) ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جَرَب)، قال ربنا سبحانه وتعالى: ((فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ)) أي: قدرت على قدر أجسامهم.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أهون أهل النار عذابا أبو طالب، ينتعل بنعلين يغلي منهما دماغه) خرجه مسلم.

أهل النار في ألوان العذاب يتقلبون، ((كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا)) ، ((ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ)). قال الحسن البصري في قوله تعالى: ((كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ)) قال: "تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فيعودون كما كانوا، ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا))، ومع هذا العذاب كله خسروا أحبتهم وأهليهم، ((قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ))، وهم مع ذلك خائبون في نار جهنم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت).

فرحم الله عبداً تأمل في أحوال أهل النار فاستعد لما أمامه، وخاف من الله جل وعلا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، فالتوبة التوبة عباد الله، حاسبوا أنفسكم اليوم فإنه أخف لحسابكم غدا.

اعلموا عباد الله .. أن تلك الدار التي عرفتم همومها وغمومها وآلامها، تقابلها دار أخرى أعدها الله لأوليائه وأهل طاعته، ((وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) .

روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينادي مناد: يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشِبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، فذلك قول الله عز و جل: ((وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ))[الأعراف:43])، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل: ((فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))[السجدة:17]) يقول ربنا عز وجل وهو الرؤوف الرحيم بعباده: ((يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ))[الزخرف:68-71].

لقد وصف الله حالهم وسرورهم فقال: ((إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ)) جعلنا الله منهم أجمعين.

قال ابن القيم رحمه الله: " وكيف يُقْدر قدر دار خلقها الله بيده، وجعلها مقرا لأحبابه، وملاها من رحمته وكراماته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها جميع الخير بحذافيره، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص، فإن سألت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران، وإن سألت عن سقفها فهو عرش الرحمن، وإن سألت عن بلاطها فهو المسك الأذفر، وإن سألت عن حصبائها فهو اللؤلؤ والجوهر، وإن سألت عن بنائها فلبنة من فضة ولبنة من ذهب، وإن سألت عن أشجارها فما فيها شجرة إلا وساقها من ذهب أو فضة لا من الحطب والخشب، وإن سألت عن أنهارها فأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى" انتهى كلامه رحمه الله وغفر له.

روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا، فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا)، ((وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً))، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إذا هم أن يتناول من ثمرها تدلت له حتى يأخذ منها ما يريد".

يقول الحبيب المصطفى والخليل المجتبى محمد صلى الله عليه وسلم: (يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون ولا يتغوطون، طعامهم ذلك جشاء كريح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس) لا إله إلا الله، ((إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)) الأبرار أهل الصلاة والتقى والورع، لهم نزل عند ربهم عز وجل، ((إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً).

قال زيد بن أرقم رضي الله عنه: جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم، تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم والذي نفس محمد بيده، إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع، قال اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون حاجة أحدهم رشحا يزيغ من جلودهم كرشح المسك فيضمر بدنه) رواه أحمد في مسنده.

فيا أيها العبد الموقن بلقاء الله .. استمع لما خبئ لك، يقول الله سبحانه وتعالى: ((يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ)) ، ويقول الله عز وجل: ((يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً)) ، قال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: (من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ولا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه) .

في البخاري من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض، لملأت ما بينهما ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها).

وأما صفة أول من يدخل الجنة فقد حدث به رسول هذه الأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الذي كان يبشر أهل الإيمان بما أعد لهم الرحمن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء، ولكل امرئ زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعجب) قال ربنا جل وعلا: ((لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) الحسنى: هي الجنة، فما هي الزيادة ؟ إنها النظر إلى وجه ربنا جل جلاله وتقدست أسماؤه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، قالوا: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ألم يبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيرفع الحجاب وينظرون إلى وجه الله عز وجل، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إليه) الله أكبر، سبحان من وسعت رحمته كل شيء، سبحان من لا يضيع أجر من أحسن عملا .

قال عتبة بن غزوان رضي الله عنه: "لقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام"، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) .

ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أدنى أهل الجنة منزلة فقال: (إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا الجنة، رجل يخرج من النار حذوا فيقول الله تبارك وتعالى: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله تبارك وتعالى له: اذهب فادخل الجنة، قال: فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا ربي وجدتها ملأى، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا، فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ وفي رواية: أتضحك بي وأنت الملك؟ قال الراوي: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه، قال: فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة) متفق عليه.

وفي حديث ابن مسعود وأبي سعيد رضي الله عنهما في قصة صاحب الشجرة وهو أدنى أهل الجنة منزلة، وفيه: (أن الله عز وجل يذكره سل كذا وكذا، فإذا انقطعت به الأماني قال الله عز وجل: هو لك وعشرة أمثاله، ثم يدخل بيته، فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين فتقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك، فيقول: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت) خرجه الإمام مسلم في صحيحه.

معاشر المؤمنين .. قد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنا وجمالا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا) فمن أراد النعيم والخلود في جنات عدن، فليصبر على طاعة الله عز وجل، وليعرض عن معصيته، والعاقبة للمتقين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره).

قال ابن القيم غفر الله له:

وإن حجبت عنا بكل كريهة***وحُفت بما يؤذي النفوس ويؤلم

فلله ما في حشوها من مسرة***وأصناف لذات بها يتنعم

ولله برد العيش بين خيامها***وروضاتها والثغر في الروض يبسم

ولله واديها الذي هو موعد الـ***مزيد لوفد الحب لو كنت منهم

ولله أبصارًا ترى الله جهرة***فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأم

فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة***أمن بعدها يسلو المحب المتيم

ولله كم من خيرة إن تبسمت***أضاء لها نور من الفجر أعظم

فيا لذة الأبصار إن هي أقبلت***ويا لذة الأسماع حين تكلم

ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت***ويا خجلة الفجرين حين تبسم

فإن كنت ذا قلب عليل بحبها***فلم يبق إلا وصلها لك مرهم

وصم يومك الأدنى لعلك في غد***تفوز بعيد الفطر والناس صوم

وإن ضاقت الدنيا عليك بأسرها***ولم يك فيها منزل لك يعلم

فحي على جنات عدن فإنها***منازلك الأولى وفيها المخيم

فحي على السوق الذي فيه يلتقي الـ***محبون ذاك السوق للقوم يعلم

فما شئت خذ منه بلا ثمن له***فقد أسلف التجار فيه وأسلموا

وحي على يوم المزيد الذي به***زيارة رب العرش فاليوم موسم

وحي على واد هنالك أفيح***وتربته من إذفر المسك أعظم

منابر من نور هناك وفضة***ومن خالص العقيان لا يتقصم

وكثبان مسك قد جعلن مقاعدا***لمن دون أصحاب المنابر يعلم

فبينا هموا في عيشهم وسرورهم***وأرزاقهم تجرى عليهم وتقسم

إذا هم بنور ساطع أشرقت له***بأقطارها الجنات لا يتوهم

تجلى لهم رب السموات جهرة***فيضحك فوق العرش ثم يكلم

سلام عليكم يسمعون جميعهم***بآذانهم تسليمه إذ يسلم

يقول سلوني ما اشتهيتم فكل ما***تريدون عندي إنني أنا أرحم

فقالوا جميعا نحن نسألك الرضا***فأنت الذي تولي الجميل وترحم

فيعطيهم هذا ويشهد جمعهم***عليه تعالى الله فالله أكرم

ويا بائعا هذا ببخس معجل***كأنك لا تدري بلى سوف تعلم

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة***وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.

فاللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قام بتفريغ المادة أحد إخواننا الفضلاء غفر الله له ولوالديه وزرقنا وإياه العلم النافع والعمل الصالح .


ما رأيكم في الموقع ؟