حـادثة الإفك
   عدد المشاهدات : 4327

حـادثة الإفك

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد  أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ))، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً))، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)) . أما بعد :

فإن الله يبتلي عباده بما يشاء، كما قال جل وعلا: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)) .

إننا اليوم أمام واقعة ما كانت تخطر ببال أحد من أهل المدينة، فشاء الله عز وجل أن تقع، ليقضي أمراً كان مفعولا، هذه الحادثة تألم منها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وضاقت الحال بصاحبه أبي بكر فلا يدري ما يفعل، حتى غلبه البكاء والحزن، وأما أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فهي أشد الناس حزنا حتى كاد البكاء يفلق كبدها من عظم ما سمعت، من كان يظن أن أحدا سيطعن في عرض أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، زوج رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ؟! لا إله إلا الله، أيُّ مصيبة حلَّت بالمؤمنين، وهم يرون عبدالله بن أبيٍّ -رأس المنافقين- ومن أطاعه أو اغتر به، يطوفون على مجالس الناس، ويشيعون عن عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا عظيما، والوحي لا ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة شهر، ووجد الخبيث عبدالله بن أبي متنفسا، فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه.

((إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ * لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ))[النور:11-18].

هاهي عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين، تخبر عن حادثة الإفك تقول:

" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه، فأيهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، قالت : فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أنزل الحجاب، فكنت أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل، دنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري فإذا عقد لي من جِزْع ظَفَار -وفي رواية: أظفار- قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني فاحتملوا هودجي، فرَحَلَوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبُلن ولم يثقلهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام -أي: القليل منه- فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها منهم داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدوني ويرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت.

وكان صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته، فوطِئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بيَ الراحلة، حتى أتينا الجيش موغرين فى نحر الظهيرة وهم نزول .

قالت: فهلك من هلك -يعني: بطعنه في عرضها- وكان الذي تولى كبر الإفك عبدالله بن أبي ابن سلول. قال عروة: أخبرت أنه كان يُشاع ويُتحدث به عنده فيقره، ويستمعه ويستوشيه. وقال عروة أيضا: لم يسم من أهل الإفك أيضا إلا حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحَمْنة بنت جحش، في ناس آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة كما قال الله عز وجل، وإنَّ كُبْر ذلك يقال: عبدالله بن أبي ابن سلول. قال عروة: كانت عائشة تكره أن يُسب عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال:

فإن أبي ووالده وعرضي***لعرض محمد منكم وقاء.

قالت: فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي، أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول: كيف تيكم، ثم ينصرف، فذلك يريبني، ولا أشعر بالشر، حتى خرجت حين نقهت –أي: أفقت من المرض- فخرجت مع أم مسطح قِبَل المناصِع، وكان متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكُنُف قريبا من بيوتنا، قالت: وأمْرنا أمر العرب الأُول في البرية قِبل الغائط، وكنا نتأذى بالكُنف أن نتخذها عند بيوتنا، قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رُهم بن المطلب بن عبدمناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلتُ أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح –أي: كب لوجهه- فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا؟ -وفي رواية: أي أمي، تسبين ابنك؟ وسكت، ثم عثرت الثانية فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: أتسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة فقالت: تعس مسطح، فانتهرتها- فقالت: أي هنتاه، ولم تسمعي ما قال؟ قالت: قلت ما قال؟ فأخبرتني بقول  الإفك –وفي رواية: فقالت: والله ما أسبه إلا فيك، فقلت: في أي شأني، قالت: فنقَّرت لي الحديث .

فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله، فرجعت إلى بيتي، كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلا ولا كثيرا- قالت: فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي، قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ماذا يتحدث الناس؟ -وفي رواية: فأرسل معي الغلام فدخلت الدار، فوجدت أم رومان في السُفِّل، وأبا بكر فوق البيت يقرأ، فقالت أمي: ما جاء بك يا بنية؟ فأخبرتها، وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها مثلما بلغ مني، قالت: يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة –أي: حسنة- عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلا كثرن عليها –وفي رواية: إلا حسدنها وقيل فيها- قالت: فقلت: سبحان الله أولقد تحدث الناس بهذا، وقد علم به أبي؟ قالت: نعم، قلت: ورسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم ورسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعبرت وبكيت فسمع أبوبكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ، فنزل فقال لأمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الذي ذُكر من شأنها، ففاضت عيناه رضي الله عنه، قال: أقسمت عليك أي بنية إلا رجعت إلى بيتك، فرجعت فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت لا يَرْقَأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي .

قالت: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود، فقال أسامة: أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وأما علي فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، قال: فقالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه –أي: أعيبها به- غير أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله –تعني: أنها من الغافلات المؤمنات- وانتهرها بعض أصحابه رضي الله عنهم فقال: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى صرحوا لها بما رميت به عائشة، فقالت بريرة: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تِبْر الذهب الأحمر –وفي رواية: فقالت الجارية الحبشية بريرة: والله لعائشة أطيب من الذهب، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنك الله، قالت عائشة: فتعجب الناس من فقهها .

قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبدالله بن أبي وهو على المنبر فقال: يا معشر المسلمين، من يعذرني في رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي؟ ولقد ذكروا رجلاً، ما علمت عليه إلا خيرا، وما يدخل على أهلي إلا معي .

فقام سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله عنه فقال: أنا والله يا رسول الله أعذرك منه، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بنتَ عمه من فخذه وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يُقتل، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله، والله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا في المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فنزل، قالت: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت .

قالت: فبكيت يومي ذلك كله، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، قالت: وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوما لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنت عليَّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي .

قالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا وقد صلى العصر، وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي، فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه حين جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة، إنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه. قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قَلَص دمعي –أي: انقطع- حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال. فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال. قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: فلما لم يجيباه، تشهدت فحمدت الله تعالى وأثنيت عليه بما هو أهله فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا: أما بعد، فإني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقنِّي، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا، والتمست اسم يعقوبَ فلم أقدر عليه، لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف حين قال: ((فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)، ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يُقرأ به في المساجد ويُصلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أُنزل عليه من ساعته فسكتنا، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحَاء –أي: الشدة- حتى إنه ليتحدر منه العرق مثلُ الجُمان –أي: اللؤلؤ- وهو في يوم شاتٍ، من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت عائشة: فأما أنا، فوالله ما فزعت، قد أني بريئة، وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي، فما سُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ظننت لتخرجن أنفسهما خوفا من أن يأتي من الله تحقيق ما يقول الناس، فسُري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك وهو يمسح جبينه، فكانت أولَ كلمة تكلم بها أن قال: أبشري يا عائشة، احمدي الله فقد برأك. قالت: وكنت أشد ما كنت غضبا، فقالت لى أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمده، ولا أحمدكما، فإني لا أحمد إلا الله عز وجل الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه، قالت: وأنزل الله عز وجل: ((إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ)) العشرَ الآياتِ كلها –وفي رواية: فلما أنزل الله تعالى هذا في براءتي- قال أبو بكر رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله عز وجل: ((وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ)) إلى آخر الآية، يعني أبا بكر، ((وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ)) يعني: مسطحا، إلى قوله: ((أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ))[، قال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا، قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال لزينب: ما علمت أو رأيتي؟ قالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع فلم تقل إلا خيرا، قالت: وطفقت أختها حَمْنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك، وكان الذي يتكلم فيه: مسطح وحسان بن ثابت، والمنافق عبدالله بن أبي، وهو الذي يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة، قالت عائشة رضي الله عنها: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله، فوالذي نفسي بيده، ما كشفت من كنف أنثى قط، قالت ثم قتل بعد ذلك شهيدا في سبيل الله).

معاشر المؤمنين، هذه الحادثة العظيمة فيها فوائد :

فمن ذلك: الحذر من الشائعات ونقل الكلام الذي لا يعلم صحته، قال الله عز وجل بعد دفاعه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ((إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ))، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع) خرجه الإمام مسلم، فاحذروا شائعات المغرضين المرجفين، وأكاذيب الفتانين، الذين يفرقون بين المرء وزوجه، ويطعنون في أعراض المؤمنين، ويفرقون بين الأقارب والأحبة، بل بين الراعي والرعية، وبين العلماء والشبيبة، سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين، لا يتورعون عن أعراض أهل السنة، ومن ذا الذي يسلم عرضه بعد أم المؤمنين عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

وفي هذه القصة امتحان وابتلاء للرسول صلى الله عليه وسلم ولعائشة وأبويها ولجميع الأمة إلى يوم القيامة، ليرفع بهذه الحادثة أقواما ويضع بها آخرين، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيمانا ولا يزيد الظالمين إلا خسارا.

ومن فوائدها : بيان عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته عند رب العالمين، قال ابن القيم غفر الله له: "إن الله أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده وكرامتهم عليه، وأن يخرج رسوله عن هذه القضية، ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة عنه، والردَ على أعدائه، وذَمَّهم وعَيْبهم، بأمر لا يكون له صلى الله عليه وسلم فيه عمل ولا يُنسب إليه، حتى جاءه الوحي بما أقر عينه، وسرَّ قلبه، وعظَّم قدره، وظهر لأمته احتفالُ ربه به، واعتناؤه بشأنه" انتهى كلامه. فالله جل وعلا يدافع عن رسوله وآل بيته، وقد تكفل بنصرته في الدنيا والآخرة، حيا وميتا، فمن أبغضه وتعدى عليه وسخر منه فليأذن بحرب من الله، وليعلم أنه خاسئ ذليل أبتر، كما قال جل وعلا: ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)).

ومن الفوائد : بيان قوة إيمان عائشة رضي الله عنها وعظم فقهها، قال ابن القيم غفر الله له: "من تأمل قول الصديقة وقد نزلت براءتها، فقال لها أبواها: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل، من تأمل ذلك علم معرفةَ وقوةَ إيمانها، وتَوْلِيَتَها النعمةَ لربها، وإفراده بالحمد في ذلك المقام، وتجريدها التوحيد، وقوة جأشها، وإدلالها ببراءة ساحتها، وأنها لم تفعل ما يُوجب قيامها في مقام الراغب في الصلح الطالب له، ولثقتها بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها قالت ما قالت، والله ما كان أحبها إليه حين قالت لا أحمد إلا الله، فإنه هو الذي أنزل براءتي" انتهى كلامه.

وهذه القصة العظيمة أيضا تبين معنى قوله جل وعلا: ((فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً))، وقد قال الله عز وجل في هذه الحادثة: ((إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) أي: بل هو خير لكم يا آل أبي بكر في الدنيا والآخرة، لسان صدق في الدنيا، ورفعة المنازل في الآخرة، وإظهار شرف لهم، واعتناء الله عز وجل بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حتى أنزل الله براءتها في القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولهذا لما دخل عليها ابن عباس رضي الله عنها وهي في سياق الموت قال لها: "أبشري، فإنك زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحبك، ولم يتزوج بكرا غيرك، ونزلت براءتك من السماء"، وروى ابن جرير في تفسيره عن محمد بن عبدالله بن جحش أنه قال: "تفاخرت عائشة وزينب رضي الله عنهما، فقالت زينب: أنا التي نزل تزويجي من السماء، فقالت عائشة: أنا التي نزل عذري في كتاب الله حين حملني صفوان بن المعطل على الراحلة، فقالت لها زينب: يا عائشة ما قلت حين ركبتيها؟ قالت: قلت حسبي الله ونعم الوكيل، قالت: قلت كلمة المؤمنين".

ومن فوائد هذه الحادثة : الترغيب في الذب عن عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقول سعد بن معاذ رضي الله عنه فيمن تكلم في عائشة: "يا رسول الله إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك"، وقد روى ابن جرير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما سمعت بشعر أحسن من شعر حسان بن ثابت، ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب:

هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه***وعند الله في ذاك الجزاء

فإن أبي ووالده وعرضي***لعرض محمد منكم وقاء

أتشتمه ولست له بكفء***فشركما لخيركما الفداء.

فاحستبوا واجتهدوا يا أهل الإيمان في الذب عن عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه أمهات المؤمنين، فإنه لا قيام للدين إذا طُعن في رسول رب العالمين، ((وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ))، ولقد توعدهم الله عز وجل بقوله: ((إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً))، فالذي يطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه أمهات المؤمنين، متوعد بعذاب من عند رب العالمين، ويسلط الله عليه المؤمنين، ((إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ))، ((إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ)) .

فالواجب على أهل الإيمان أن ينتصروا للرسول الكريم، وأن لا يرضوا بالطعن فيه تحت شعار الحرية، أو حرية التعبير، أو الرأي والرأي الآخر، أو التسامح الديني، أو حوار الأديان، أو التقريب بين الأديان، أو حرية الصحافة أو استقلاليتها، إلى غير ذلك مما يلبسون به على الناس، قال الله عز وجل محذرا إلى الركون إلى أباطيل المفسدين ومكرهم: ((وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً))، أي تقارب وأي حوار وأي تسامح يرجونه، بعد الطعن والاستهزاء بسيد ولد آدم خاتم الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام؟ والعجب أنهم ينادون بعد ذلك بنبذ الكراهية الدينية، وهم من يوقد نارها ويؤجج فتنتها، ثم يريدون منا قبول الآخر الذي طعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينبزوننا بالإقصاء ونحو ذلك من العبارات، أو بالأحادية، فهم يحمون رأي الآخر، لكنهم لا يرون لرأينا وزنا، قبح الله الرأي الآخر إذا كان محادا لله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

ألا فاعلموا أن هذه الشعارات التي صاحبت التعدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يراد منها تمرير أطروحات باطلة. أما الحوار بين الأديان، فإنه مقبول إذا كان الغرض منه بيان كفرهم وباطلهم، ودعوتهم إلى الإسلام بالتي هي أحسن، فإن قصد منه فتح الباب للتنصير وتلميع النصارى وتهوين كفرهم، فلا يجوز لمسلم قبول ذلك، ((لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ))

 وأما التقريب بين الأديان، فقد صدرت فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية بكفر من يتبنى هذه الفكرة، التي تطمح إلى إلغاء الفوارق بين المسلم والكافر، وجمع المسلم والنصراني واليهودي تحت مسمى الإبراهيمية، وكان من أفكارها طباعة المصحف والإنجيل والتوراة في مجلد واحد، وبناء مسجد وكنيسة للنصارى وبيعة لليهود في إطار واحد في المطارات وغيرها، والله جل وعلا يقول: ((لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ))، ويقول جل وعلا: ((لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ))، بل نحن نبرأ إلى الله منهم في كل ركعة من صلاتنا، ((غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ)) وهم اليهود والنصارى.

وأما احترام الأديان وقداستها، فإنه لا احترام ولا قداسة لدين قائم على الشرك بالله واتخاذ الصاحبة والولد له، والكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، قال الله عز وجل: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا))، فالمشركون أهل نجاسة لا قداسة، لكنّ أموالهم وأرواحهم محترمة لا يجو التعدي عليها ووفاء بالعهد الذي بيننا وبينهم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة)، وهذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرضين. وأما الرأي والرأي الآخر، فإن الحوار فيما يسوغ فيه الحوار بالبحث عن الحكم الشرعي، المبني على الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة لا حرج فيه، ((وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))، لكنهم قد جعلوا هذا الشعار سوطا يضربون كل من أنكر عليهم أطروحاتهم الإباحية والعلمانية بل والكفرية، وهم والله من أشد الناس تزمتا وإقصاء للآخر وأحادية.

ألا فليعلموا أنه لا مكان للرأي الآخر إذا كان خلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه السلف الصالح، ولا يُسمح لغير المتخصص أن يخوض في هذه القضايا الشرعية، زاعما أن له الحق في إبداء رأيه، لأن هذا من القول على الله عز وجل بلا علم، يقول الله عز وجل: ((وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ)).

فاللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام...


ما رأيكم في الموقع ؟