قصـة سبـأ
   عدد المشاهدات : 6868

قصـة سبـأ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد  أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)) ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)). أما بعد :

فيقول الله سبحانه وتعالى: ((وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ)). لقد قص الله تعالى في كتابه أحسن القصص، أجمَله طريقة وأصدقه خبرا، ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)).

إن في قصص القرآن عظة وعبرة وتثبيتا للمؤمنين، لأن سنة الله في عباده واحدة، ((وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً))، ((وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً))، ومن أطاع الله أفلح وفاز فوزا عظيما، ومن عصى الله وأعرض عن ذكره فقد خسر خسرانا مبينا، وقصص من قبلنا دالة على ذلك، ((تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ)).

وفي تدبر قصص القرآن تظهر سنن الله في خلقه، ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ))، وإنما ينتفع بهذا القصص العظيم والذكر الحكيم أصحاب القلوب الزاكية والعقول الواعية، كما قال تعالى: ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ))، ففي قصص القرآن عظة وعبرة وتذكير، وترهيب وترغيب، وبشارة بالفرج بعد الشدة، وحسن العاقبة للمتقين، قال الله تعالى: ((وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ)) .

وفي قصص القرآن بيان لدعوة الرسل كلهم، قال الله تعالى: ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ)) .

وفي قصص القرآن بيان لسوء عاقبة المكذبين المعرضين عن ذكر الله، قال تعالى: ((فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)).

ومما قصه الله علينا في كتابه الحكيم قصة سبأ، وهي المذكورة في قوله جل وعلا: ((لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ))[سبأ:15-21].

لقد كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التتابعة منهم، وبلقيس صاحبة سليمان عليه السلام من جملتهم، ومن نعم الله ولطفه بالناس عموما وبالعرب خصوصا، أنه قص في القرآن أخبار المهلَكين المعاقَبين، ممن كان يجاور العرب، وتشاهد آثاره، ويتناقل الناس أخباره، ليكون ذلك أدعى إلى التصديق وأقرب إلى الموعظة، ولهذا قال تعالى: ((لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ)) أي: كان في محلهم الذي يسكنون فيه آية، والآية هنا ما أدر الله عليهم من النعم وصرف عنهم من النقم، والذي يقتضي منهم أن يعبدوا الله وحده ويشكروه، ثم فسر الآية بقوله: ((جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ)) وذلك أنه كان لهم واد عظيم، وكان الماء يأتيهم من بين جبلين، فعمد ملوكهم الأقادم فبنوا بينهما سدا عظيما محكما، فصار مَجمعا للماء، فكانت السيول تأتيه فيجتمع هناك ماء عظيم، فيفرقونه على بساتينهم التي عن يمين ذلك الوادي وشماله، وتظل لهم تلك الجنتان العظيمتان من الثمار والزروع ما يكفيهم ويحصل لهم به الغبطة والسرور، حتى صار ذلك آية في الكثرة والحسن، كما ذكر غير واحد من السلف منهم قتادة: أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار وعلى رأسلها مكتل أو زِنبيل، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه، من غير أن يُحتاج إلى كلفة ولا قطاف، لكثرته ونضجه واستوائه، وكان هذا السد بمأرب، بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد مأرب. وذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث، ولا شيء من الهوام، وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج، عناية من الله بهم ليوحدوه ويعبدوه، كما قال تبارك وتعالى: ((كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ)) فأمرهم الله بشكر نعمه التي أدرها عليهم من وجوه كثيرة منها: أولا: هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما. ثانيا: أن الله جعل بلدهم بلدة طيبة، لحسن هوائها، وقلة أسقامها، وحصول الرزق الرغد فيها. ثالثا: أن الله وعدهم إن شكروه أن يغفر لهم ويرحمهم، ولهذا قال: ((بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ)).

ومنها : أن الله لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة، هيأ لهم من الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها بغاية السهولة من الأمن وعدم الخوف، وتواصل القرى بينهم وبينها، بحيث لا يكون عليهم مشقة بحمل الزاد والمزاد، ((وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ)) فكان مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمرا، ويقيل في قرية ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم، وأما قول ربنا جل وعلا: ((وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا)) فقد قال العلامة السعدي: "الظاهر أنها قرى صنعاء، قاله غير واحد من السلف، وقيل: إنها الشام".

فجعل الله بينهم وبين تلك الأرض المباركة قرى ظاهرة، أي: بينة واضحة، يعرفها المسافرون، يقيلون في واحدة ويبيتون في أخرى، إلى غير ذلك من نعم الله عليهم، وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه، ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى، ثم أعرضوا عما أمروا به، نعم، لقد أعرضوا عن المنعم وعن عبادته كما قال عز وجل: ((فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ)) أي: أعرضوا عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم عليهم به، وعدلوا إلى عبادة الشمس من دون الله، كما قال الهدهد لسليمان عليه السلام: ((وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ))[النمل:22-24]، ذكر ذلك العلامة ابن كثير، وأخبر الله أنهم بطروا النعمة وملوها، حتى إنهم طلبوا وتمنوا أن تتباعد أسفارهم بين تلك القرى التي كان السير فيها متيسرا، وأحبوا مفاوز ومهامٍ يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل، والسير في الحَرُور والمخاوف فقالوا: ((رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ))، وهذا كما طلب بنو إسرائيل من موسى عليه السلام أن يُخرج الله لهم مما تنبت الأرض ((مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا))، مع أنهم كانوا في عيش رغيد، في مَنّ وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب؛ ولهذا قال لهم: ((أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ))، وقال الله أيضا: ((وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ))، وقال الله جل وعلا: ((وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ)). وأخبر الله عن هؤلاء بقوله: ((فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ)) إي والله لقد ظلموا أنفسهم، ظلموها بكفرهم بالله وبنعمته، فعاقبهم الله بهذه النعمة التي أطغتهم، فأبادها عليهم وجعلهم عبرة للعالمين كما قال تعالى: ((وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)) أي: جعلناهم حديثا للناس يتحدثون عن أخبارهم، وكيف مكر الله بهم وفرق شملهم بعد الاجتماع والعيش الهنيء، ((وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ))، لقد حلت بهم عقوبة الجبار جل جلاله، الذي يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، ((وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ))، قال الله جل وعلا في سبأ: ((فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ)) فعاقبهم الله بأنواع من العذاب، فأرسل عليهم ((سَيْلَ الْعَرِمِ)) أي: السيل المتوعر الذي ضرب سدهم، وأتلف جناتهم، وخرب بساتينهم، فتبدلت تلك الجنات المعجِبة، والأشجار المثمرة، إلى أشجار لا نفع فيها، ولهذا قال: ((وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ)) أي: شيء قليل من الأكل الذي لا يقع منهم موقعا، وقوله عز وجل: ((خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ)) وهذا كله شجر معروف، وهذا من جنس عملهم، فكما بدلوا الشكر الحسن بالكفر القبيح، بُدلوا تلك النعمة بما ذكر، ولهذا قال: ((ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ)). فهذا الذي صار أمرَ الجنتين إليه، كانتا آية في الحسن والجمال، فصار أمرهما إلى ما سمعتم، بعد الثمار النضيجة، والمناظر الحسنة، والظلال الوافرة، والأنهار الجارية، تبدلت إلى تلك الأشجار والسدر ذي الشوك الكثير والثمر القليل، وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله وتكذيبهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، فلما أصابهم ما أصابهم تفرقوا وتمزقوا بعدما كانوا مجتمعين، وعذبهم الله جل وعلا بذلك، فذاقوا مرارة الفراق، ((فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)) فتفرقوا في البلاد ها هنا وها هنا، ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: تفرقوا أيديَ سبأ وأيادي سبأ، وتفرقوا شذر مذر، فكل أحد يتحدث بما جرى لهم، ولكن لا ينتفع بما جرى لهم إلا من قال الله فيهم: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)) صبار على المكاره والشدائد، يتحملها لوجه الله ولا يتسخطها بل يصبر عليها، شكور لنعمة الله يقر بها ويعترف، ويثني على من أولاها، ويصرفها في طاعته، فهذا إذا سمع بقصتهم وما جرى منهم وعليهم عرف بذلك أن تلك العقوبة جزاء لكفرهم نعمة الله، وأن من فعل مثلهم فُعل به كما فُعل بهم، وأن شكر الله حافظ للنعمة، دافع للنقمة، وأن رسل الله صادقون فيما أخبروا به، وأن الجزاء حق كما رأوا مثاله في دار الدنيا، ولما ذكر الله قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان، أخبر عنهم وعن أمثالهم، أنهم من الذين صدق عليهم إبليس ظنه حيث قال لربه: ((فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ))[ص:82-83] وهذا ظن من إبليس لا يقين، لأنه لا يعلم الغيب، ولم يأته خبر من الله أنه سيغويهم أجمعين، إلا من استثني، فهؤلاء وأمثالهم ممن صدّق عليهم إبليس ظنه، ودعاهم فأغواهم، فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين، ممن لم يكفر بنعمة الله، فإنه لم يدخل تحت ظن إبليس، ثم قال تعالى: ((وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ)) أي: وما كان لإبليس عليهم من تسلط وقهر، وقسر على ما يريده منهم، ولكن حكمة الله اقتضت تسليطه وتسويله لبني آدم، ولم؟ قال الله جل وعلا: ((لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ)) أي: إنما سلطناه عليهم ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها، والحساب فيها والجزاء، فيحسن عبادة ربه في الدنيا، ممن هو منها في شك، فسلطه عليهم ليقوم سوق الامتحان، ويعلم الصادق من الكاذب، ويعرف من كان إيمانه صحيحا يثبت عند الابتلاء والامتحان، وإلقاء الشبه الشيطانية، ممن إيمانه غير ثابت يتزلزل بأدنى شبهة، ((وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ)).

معاشر المؤمنين .. لقد سمعنا ما قص الله علينا من قصة قوم سبأ، وفي هذه القصة فوائد منها :

أولا: وجوب شكر نعمة الله وأن النعم تثبت بذلك، ما قال تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ))، وقال تعالى: ((إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ))، وشكر الله يكون بالقلب واللسان والجوارح، قال تعالى: ((اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ))، فالعمل بطاعة الله شكر له.

ثانياً : أن النعم تزول بمعصية الله كما قال تعالى في سبأ: ((فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ))، وقال فيهم: ((وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)).

ثالثاً : الاعتبار بما جرى للأمم قبلنا، قال تعالى في سبأ: ((وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ))، وقال تعالى في موضع آخر من كتابه: ((قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ))، وقال أيضا: ((وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ))، وقال عز وجل: ((فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ)).

رابعا: بيان عظم نعمة الأمن لقوله تعالى: ((وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ))، ولقد امتن الله على قريش بهذه النعمة فقال: ((فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ))، وقال تعالى: ((أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ))، ولقد سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يجعل البلد الحرام آمنا فقال: ((رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً)) .

ومن أسباب حصول الأمن:   طاعة الله وترك المعاصي، وشكر الله عز وجل، ومن أسباب زوال الأمن: الجرأة على حرمات الله، وعدم إنكار المنكرات، وعدم قبول هذه النعمة والاستخفاف بها، ومن أسباب زوال الأمن أيضا: تبني الأفكار المنحرفة كفكر الخوارج الذين يكفرون المسلمين بالكبائر، ويردون السنة بظاهر القرآن، ويقتلون أهل الإيمان، ثم يزعمون أنهم يجاهدون في سبيل الله ويصلحون في الأرض، ((أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ))، لما ظهرت الخوارج زمن علي بن أبي طالب واعتنقوا هذه المبادئ التكفيرية، اختل الأمن، وسفكت الدماء، وقتلوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قتلوا علي بن أبي طالب المبشر بالجنة، ورابع الخلفاء الراشدين، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل هؤلاء حفظا للأمن في بلاد المسلمين، وردا لشرهم، وقال عليه الصلاة والسلام: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود) وقال أيضا: (هم شر قتلى تحت أديم السماء) وقال: (طوبى لمن قتلهم ثم قتلوه) وقال: (ينشأ نشأ يقرؤون القرآن، كلما خرج قرن قطع، كلما خرج قرن قطع، حتى عدّ أكثر من عشرين مرة وهو يقول: كلما خرج قرن قطع، حتى يخرج في أعراضهم الدجال) وهذه والله بشارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله يقطع دابر الخوارج، ويطفئ فتنتهم كلما خرجوا، وينصر أهل السنة عليهم، والله خيرا حافظا وهو أرحم الراحمين.

خامسا: الحذر من الشيطان وكيده، فإنه غرر بسبأ حتى أوردهم المهالك، ((وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)).

سادسا: وجوب نسبة النعمة إلى الله تعالى لقوله: ((كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ)) فهذا الرزق والخير من الله ربكم، فاعترفوا بذلك، ولا تنسبوا النعمة لغيره، قال الله جل وعلا: ((يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ))[النحل:83] قال الحافظ ابن كثير: " أي: يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره" انتهى كلامه غفر الله له.

سابعا: الأمر بالأكل من رزق الله الطيب، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال جل وعلا: ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ))، وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ))، فليس لأحد أن يحرم ما أحل الله لعباده، قال الله جل وعلا: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، قال الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب في مسائل الجاهلية التي جاء الإسلام بخلافها: "ومنها: تعبدهم –يعني: أهل الجاهلية- بترك الطيبات من الرزق، وترك الزينة باللباس".

ثامنا: فتح باب التوبة للمذنبين لقوله جل وعلا: ((بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ)) فيا من كفر بنعمة الله واستعملها في معصيته، اعلم أن ربك غفور رحيم، غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، فالتوبة التوبة وأبشر فإن ربك غفور رحيم، يفرح بتوبة عبده ويبدل سيئاته حسنات، فاللهم لك الحمد على نعمك الظاهرة والباطنة، ((بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ)).

تاسعا: أن جنود الله لا يعملها إلا هو، فقد عذب الله سبأ بسيل العرم، فخرب ديارهم، وأفسد زروعهم، ونقض سدهم سد مأرب، قال الله جل وعلا: ((فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ)) فالذي أرسله وسلطه عليهم جبار السماوات والأرضين، ((وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ))[المدثر:31]، قال الله جل وعلا: ((فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ))[العنكبوت:40].

عاشرا: شكر الله بعد الأكل من رزقه لقوله جل وعلا: ((كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ)) وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها).

وآخر هذه الفوائد: أن الله جل وعلا حكيم عليم، يختار ما يشاء سبحانه وتعالى، فيبارك في بعض القرى كما قال عز وجل: ((وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا)) وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (البركة من الله) ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ))[القصص:68].

فاللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام...


ما رأيكم في الموقع ؟