عبر وعظات .. من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
   عدد المشاهدات : 23270

عبر وعظات .. من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

الحمد لله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما، خلق فسوى، وقدَّر فهدى، ومن كل شيء أعطى، أحمده سبحانه وله الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وبعثه بالنذارة عن الشرك والدعوة إلى التوحيد، فأقام على هذا سنين، ثم عرج به إلى السماء، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة، فلما استقر بها أمره الله ببقية شرائع الإسلام، كالصيام والحج والجهاد، فلما أبلغ الله الدين وأتم النعمة ودخل الناس في دين الله أفواجا، أنزل عليه قوله: ((إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً))، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعلمه الله إياه". فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن دينه باق إلى قيام الساعة.

معاشر المؤمنين .. إن وفاته صلى الله عليه وسلم فيها كثير من العبر والمواعظ، فهو رسول رب العالمين، لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

فمن هذه العبر : أن خير أعماله خواتيمها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما، وكان يعرض عليه القرآن في كل عام مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عرض القرآن مرتين) متفق عليه.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول قبل أن يموت: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك) خرجه مسلم في الصحيح. ففي فعله صلى الله عليه وسلم هذا إرشاد لأمته بأن يجتهدوا في العمل الصالح؛ ليلقوا الله على خير حال، فإن الأعمال بالخواتيم.

لقد ودَّع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أمته قبل وفاته، وأوصى بوصايا عظيمة، عن جابر رضي الله عنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه). وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال: (إن الشيطان قد يأس أن يُعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه) الحديث رواه الحاكم. وقال أبو أمامة رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو يخطب الناس في حجة الوداع: (يا أيها الناس أطيعوا ربكم و صلوا خمسكم وأدوا زكاة أموالكم وصوموا شهركم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم) رواه الحاكم وصححه .

ثم إن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ودع الأحياء والأموات، قال عقبة بن عامر: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على قتلى أحد صلاة الميت بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم صعد المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط لكم، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، فإني والله أنظر إلى حوضي الآن من مقامي هذا، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتلوا، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم) قال عقبة: وكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر. أخرجه البخاري.

وأما بداية مرضه صلى الله عليه وسلم فإنه لما رجع من حجة الوداع في ذي الحجة، أقام في المدينة بقية الشهر ومحرما وصفرا، وجهز جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما، فبينما الناس على ذلك، ابتدأ مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال بقين من صفر، وأول ما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه في بيت ميمونة رضي الله عنها، قالت عائشة رضي الله عنها: (لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به وجعه، استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي فأذنَّ له، فخرج وهو بين رجلين تخط رجلاه في الأرض، بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر وهو علي بن أبي طالب) خرجه البخاري.

وكان صلى الله عليه وسلم حريصا أن يكون إمام الناس في صلاتهم صاحبه أبابكر رضي الله عنه، قالت عائشة: (لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف –أي: شديد الحزن- وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمع الناس -تعني: من بكائه عند القراءة- فلو أمرت عمر، قال صلى الله عليه وسلم: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، قالت: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس، فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة، فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قم مكانك، فجاء صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائما، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر رضي الله عنه).

ثم إنه صلى الله عليه وسلم خطب أصحابه يوم الخميس قبل أن يموت بخمسة أيام، خطبهم خطبة عظيمة، قال جندب رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قبل أن يموت بخمس يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذ من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم، كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم. وخطبهم صلى الله عليه وسلم وأعلمهم أن الله خيره بين الدنيا والآخرة، قال أبو سعيد: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الله خير عبدا الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ -أبي بكر- يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا! قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبدَ المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر لا تبك، إن من أمنّ الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته).

ثم اشتد المرض بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضي الله عنها: (ما رأيت أحدا أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وقالت رضي الله عنها: لما نُزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو كذلك يقول: (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا) صلوات ربي وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار. قال أنس رضي الله عنه: (لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه فقالت فاطمة رضي الله عنها: واكرب أبتاه، فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم).

من وصاياه صلى الله عليه وسلم عند موته وهو يفارق الدنيا قوله: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به)، وسئل عبدالله بن أبي أوفى: هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: "أوصى بكتاب الله عز وجل" يعني: أوصى بحفظه والعمل به، قال أنس رضي الله عنه: كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرغر بها صدره ولا يكاد يفيض بها لسانه) رواه أحمد بسند صحيح.

قالت عائشة رضي الله عنها: كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخير بين الدنيا والآخرة، فسمعت رسول صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه، وأخذته بُحة شديدة يقول: ((مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً)) قالت: فظننته خُير حينئذ) وفي رواية أنها قالت: (لما نُزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه على فخذي، غشي عليه ساعة ثم أفاق، فأشخص بصره إلى السقف ثم قال: اللهم في الرفيق الأعلى، فقلت: إذن لا يختارنا، قالت: فكان آخر كلمة تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم مع الرفيق الأعلى، وقالت: سمعته وهو مسند إلي ظهره يقول: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى) صلوات ربي وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار.

قالت رضي الله عنها في وصف موته صلى الله عليه وسلم: (جعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: (لا إله إلا الله إن للموت سكرات، ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض ومالت يده صلى الله عليه وسلم).

لقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم مات شهيدا، فعن أبي سلمة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة، فأهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية سمتها، فأكل منها صلى الله عليه وسلم وأكل القوم، فقال: ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة، فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري، فأرسل إلى اليهودية: ما حملك على الذي صنعت؟ قالت: إن كنت نبيا لم يضرك الذي صنعته، وإن كنت ملكا أرحت الناس منك، فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقتلت، ثم قال في وجعه الذي مات فيه: ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري). وقالت أم بشر الذي مات بتلك الأكلة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه: (ما يتهم بك يا رسول الله؟ فإني لا أتهم بابني شيئا إلا الشاة المسمومة التي أكل معك بخيبر، وقال صلى الله عليه وسلم: وأنا لا أتهم بنفسي إلا ذلك، فهذا أوان انقطاع أبهري) رواهما أبو داود. وقد جزم الحافظ ابن كثير رحمه الله أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم مات شهيدا وقال: "فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة" انتهى كلامه رحمه الله وغفر له. وهذا يبين عداوة اليهود لنبينا صلى الله عليه وسلم وللإسلام وأهله، صدق الله جل وعلا إذ يقول: ((لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ))[المائدة:82].

لقد مات محمد بن عبدالله رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات وهو يقول: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات) يقول الله جل وعلا: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ))، ويقول ربنا جل جلاله وتقدست أسماؤه: ((وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ))، قالت عائشة رضي الله عنها: (إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مات وأبو بكر في مسجده بالسنح، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر رضي الله عنه وعلى أثرة من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة رضي الله عنها، فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغشى بثوب حِبَرَة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله ثم بكى وقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله طبت حيا وميتا، والذي نفسى بيده لا يجمع الله عليك الموتتين أبدا، أما الموتة التي كتبت عليك قد متها، ثم خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس، فأبى عمر، تشهد أبو بكر، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، ومال الناس إلى أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد، فمن كان يعبد منكم محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله جل وعلا: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ))، وقال سبحانه: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ))، فوالله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية، حتى تلاها أبو بكر رضي الله عنه، فتلقاها منه الناس كلهم، قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعُقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات، فنشج الناس يبكون.

ثم شرعوا في تكفين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغُسل كما هو على ثيابه، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ثم صلى عليه الناس فرادى لا يؤمهم أحد، ثم ألحد له في قبره ونصب عليه اللبن نصبا، ورفع قبره عن الأرض نحوا من شبر، كما يفعل بأهل الإسلام، فصلوات ربي وسلامه على الحبيب المصطفى والنبي المجتبى، محمد بن عبدالله.

الله أكبر .. إن مصيبة المسلمين بموته صلى الله عليه وسلم عظيمة، واسمعوا ما حدّثت به عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: "فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بابا بينه وبين الناس، أو كشف سترا، فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر -وذلك في مرض موته- فحمد الله على ما رآه من حسن حالهم وقال: (يا أيها الناس، أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة أشد عليه من مصيبتي) رواه ابن ماجه.

قال أنس رضي الله عنه: "لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء) رواه الترمذي. قال بعضهم:

اصبر لكل مصيبة وتجلد***واعلم بأن المرء غير مخلد

فإذا ذكرت مصيبة تسلو بها***فاذكر مصابك بالنبي محمد.

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

معاشر المؤمنين .. من الفوائد التي تؤخذ من حادثة وفاته صلى الله عليه وسلم :

حرصه صلى الله عليه وسلم على حماية جناب التوحيد، وسد كل طريق تؤدي إلى الشرك، لأنه كغيره من رسل الله، بعثه الله داعيا إلى توحيد رب العالمين، محذراً من الشرك، قال الله جل وعلا: ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ))، ها هو صلى الله عليه وسلم في آخر أيامه من الدنيا يخطب الناس وينذرهم، خطبهم قبل أن يلقى الله بخمسة أيام فقال: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم. ولما نزل به الموت طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، ولم ينس أمته في تلك الحال فكان يقول: (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صعنوا).

الله أكبر .. أين نحن يا دعاة الإسلام من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله؟ إنها دعوة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، الدعوة إلى العقيدة الصحيحة وتوحيد رب العالمين، والتحذير من الشرك والبدع، هكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم في أول أمره وآخره وما بين ذلك.

لما كان بمكة وحيدا كان ينادي بالتوحيد قائلا: (يا معشر قريش قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا). وهي دعوته لما هاجر إلى المدينة، وأعز الله جنده ونصر عبده، ففتح مكة وطهرها من الأصنام والأوثان، ثم خرج إلى غزوة حنين فقال بعض الناس: اجعل لنا ذات أنواط -يريدون شجرة يتبركون بها- فغضب صلى الله عليه وسلم وعظم الأمر وقال: الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ((اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)) ثم أوصى بالتوحيد وحذر من الشرك وهو على فراش الموت فقال: (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).

فيا معاشر الدعاة إلى الله جل وعلا .. تمسكوا بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله، كونوا دعاة إلى منهج السلف، تعلموه وبينوه للناس في القرى والبوادي، واصبروا على ذلك حتى تلقوا ربكم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحيوا مجالس المسملين بقراءة كتب السلف وتوضيحها وشرحها لهم، ككتاب شرح السنة للإمام البربهاري، والعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكتاب التوحيد والقواعد الأربع وكشف الشبهات وغيرها للإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله.

الله أكبر، هذه الكتب موجزة ميسرة، لما اعتنى بها أهل هذه البلاد، وعمروا بها مجالسهم ومساجدهم حفظا وتعلما وتعليما، أنعم الله عليهم بدولة تجمع شتاتهم، وألف بين قلوبهم على السنة، وارتفعت راية التوحيد وذل الشرك وأهله .

يا معاشر الموحدين .. إن الخير الذي ننعم به منذ ظهور السنة وأهلها لن يستمر إلا بالاشتغال بالدعوة إلى التوحيد، والله إن عقيدتنا السلفية الآن في خطر، أعداؤها من المبتدعة والمفتونين، والقبوريين والمشركين، يحاربونها في كل مكان ويسعون للصد عن سبيل الله، وتزهيد الناس بعقيدة السلف، باسم الاهتمام بقضايا الأمة الكبرى والعناية بالأولويات، فلا إله إلا الله، أي قضية عندنا أكبر من التوحيد؟ إن قضايانا الكبرى لا تُحل إلا بتصحيح العقيدة أولا، كما فعل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم والمصلحون من بعده، وهذه العقيدة السلفية تعاني الآن أيضا، من خلل في المنهج عند بعض أتباعها، فتركوا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى التوحيد والسنة، والتحذير من البدع وأهلها، واشتغلوا بالسخافات والفكريات، والتحليلات الإخبارية وقول فلان وعلان، حتى خفيت عليهم السنة، ونسوا أن الحرب على الإسلام حرب عقيدة، فانتبهوا يا أصحاب العقيدة.

وإننا لنتساءل وحق لنا ذلك، ما نصيب الدعوة إلى التوحيد والسنة والتحذير من الشرك والبدع، ما نصيبها من خطب الجمعة والمحاضرات، والكلمات التي تلقى بعد الصلوات وفي المجالس، كانت بعض المجالس مجالس هداية، فصارت من بعدها مجالس سياسة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وأما الأشرطة الدينية فنقول لمن يصدرها: اتقوا الله في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وتمسكوا بهديه في الدعوة إلى الله جل وعلا، واعلموا أنّا أمة توحيد، لا أمة أناشيد، فانصروا عقيدة السلف وانشروها بين الأنام تفلحوا، وأبشروا أبشروا بعز الدنيا والآخرة.

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)) .

اللهم اغفر لإمام السنة أحمد بن حنبل، اللهم اغفر لشيخ الإسلام ابن تيمية، اللهم اغفر لإمام الدعوة السلفية الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب، اللهم ارفع درجاتهم في المهديين، اللهم واجزهم عنا خير الجزاء، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم وأكرم نزلهم، اللهم اغفر لهم يا رحيم يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، اللهم اجعلنا دعاة إلى التوحيد والسنة...


ما رأيكم في الموقع ؟